فاس نيوز – خاص
مع دخول الاستحقاقات الانتخابية مرحلة التنافس على البرامج والوعود، تبرز بجهة فاس مكناس مجموعة من الملفات التي يصعب اختزالها في الشعارات الانتخابية. فالأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ومجلس الجهة، إلى جانب وثائق التخطيط الترابي، ترسم صورة لجهة تتوفر على مؤهلات بشرية واقتصادية مهمة، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالتشغيل، والفوارق المجالية، والصحة، والتعليم، والماء، والبنيات التحتية.
ولا تقيس هذه المعطيات الرسمية انتظارات المواطنين بشكل مباشر، لكنها تساعد على تحديد الملفات التي تفرض نفسها موضوعياً على النقاش العمومي والبرامج الانتخابية.
وفق نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يبلغ عدد سكان جهة فاس مكناس 4 ملايين و467 ألفاً و911 نسمة، منهم أكثر من 2.85 مليون نسمة بالوسط الحضري، مقابل نحو 1.61 مليون نسمة بالوسط القروي. وهذه التركيبة تجعل من التوازن بين حاجيات المدن الكبرى ومطالب الأقاليم والمجالات القروية أحد أبرز تحديات السياسات العمومية بالجهة.
التشغيل.. رقم يضع الملف في صدارة الأولويات
يبقى التشغيل من أكثر المؤشرات التي تستوقف المتابع للوضع الاجتماعي والاقتصادي بالجهة. فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط المتعلقة بسوق الشغل سنة 2024، سجلت جهة فاس مكناس معدل بطالة بلغ 14.4 في المائة، مقابل 13.3 في المائة على المستوى الوطني، وارتفع المعدل بالوسط الحضري إلى 18.5 في المائة.
وتكشف التفاصيل الجهوية أن 40.9 في المائة من العاطلين يتوفرون على دبلوم عالٍ، فيما بلغت نسبة الذين استمرت بطالتهم سنة أو أكثر 67.7 في المائة، كما شكل الأشخاص الذين لم يسبق لهم أن اشتغلوا نحو 50.9 في المائة من مجموع العاطلين سنة 2024.
هذه الأرقام تجعل النقاش الانتخابي حول التشغيل أبعد من مجرد الإعلان عن عدد مناصب جديدة؛ إذ يطرح أسئلة تتعلق بنوعية الاستثمار، ومدى ارتباط التكوين الجامعي والمهني بحاجيات المقاولات، وقدرة المشاريع الجهوية على إنتاج وظائف مستقرة.
وكان التشخيص الذي رافق إعداد برنامج التنمية الجهوية 2022-2027 قد شدد بدوره على ضرورة ربط التكوين بحاجيات سوق العمل وجذب الاستثمارات القادرة على خلق فرص الشغل، خصوصاً لفائدة الشباب والخريجين والنساء.
الفوارق بين المدن والعالم القروي
يعيش أكثر من 1.6 مليون شخص من سكان الجهة في الوسط القروي، وهو ما يجعل الطرق والماء والخدمات الصحية والتعليمية وفك العزلة ملفات لا تقل أهمية عن المشاريع الكبرى داخل فاس ومكناس.
ويقر التشخيص الترابي الرسمي للجهة بالحاجة إلى تعزيز شبكة الطرق وتحسين جودتها وصيانتها، مع توفير التجهيزات والخدمات الأساسية بالمناطق القروية والحد من عزلة بعض المجالات.
وتظهر لائحة المشاريع المنشورة من طرف مجلس جهة فاس مكناس وجود مشاريع متواصلة أو مبرمجة مرتبطة بالطرق والماء الصالح للشرب في أقاليم من بينها تاونات وصفرو وبولمان والحاجب ومولاي يعقوب، وهو ما يعكس استمرار الحاجة إلى الاستثمار في التجهيزات الأساسية خارج المحاور الحضرية الكبرى.
ومن هنا يصبح السؤال الانتخابي أكثر دقة: ليس فقط كم من الطرق والمنشآت سيتم الإعلان عنها، بل أين ستنجز، وفي أي آجال، وما مدى قدرتها على تقليص الفوارق بين مختلف أقاليم الجهة؟
الصحة.. توسيع العرض وتحدي العدالة المجالية
شهد القطاع الصحي بجهة فاس مكناس خلال 2026 تحركات مرتبطة بإعادة تأهيل وتوسيع شبكة المؤسسات الصحية. وتفيد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بأن الجهة تتوفر على 427 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وخدمات القرب، إلى جانب شبكة استشفائية تضم 5 مؤسسات استشفائية جامعية و14 مؤسسة استشفائية جهوية وإقليمية ومستشفيات للقرب.
وخلال يناير 2026 دخلت عشرة مراكز ومستوصفات صحية جديدة أو مؤهلة حيز الخدمة في عدة أقاليم بالجهة، فيما أعلنت الوزارة في يوليوز عن دخول 25 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية حيز الخدمة بجهة فاس مكناس بعد التأهيل والتجهيز، بينها مؤسسات بفاس ومكناس وصفرو وتاونات ومناطق أخرى.
ورغم هذه الاستثمارات، فإن الوثائق الرسمية نفسها تضع تقريب الخدمات الصحية وتحقيق الإنصاف الترابي ضمن أهداف الإصلاح، ما يجعل توزيع الموارد البشرية، ومواعيد العلاج، والتخصصات الطبية، وتخفيف الضغط عن المؤسسات الكبرى، أسئلة أساسية أمام المرشحين.
التعليم.. بعد الولوج يأتي سؤال الجودة وربط التكوين بالشغل
تُظهر بيانات الإحصاء أن معدل تمدرس الأطفال بين 6 و11 سنة بالجهة بلغ 95.6 في المائة خلال الموسم 2023-2024، وهو مستوى قريب من المتوسط الوطني البالغ 95.8 في المائة.
لكن مؤشرات أخرى تكشف استمرار تحديات اجتماعية أعمق؛ إذ سجلت جهة فاس مكناس معدل أمية بلغ 27.5 في المائة لدى السكان البالغين 10 سنوات فما فوق، مقابل 24.8 في المائة وطنياً وفق نتائج إحصاء 2024.
ويعيد ذلك النقاش إلى جودة التعليم، ومحاربة الهدر والأمية، وتحسين ظروف المؤسسات القروية، والأهم ربط التكوين بفرص العمل. فالمفارقة بين وجود مؤسسات جامعية وتكوينية مهمة من جهة، وارتفاع حصة حاملي الدبلومات بين العاطلين من جهة أخرى، تجعل ملاءمة التكوين مع الاقتصاد الجهوي أحد الملفات التي تحتاج إلى أجوبة عملية وليس فقط وعوداً عامة.
الماء والفلاحة.. إدارة المورد بعد سنوات الضغط
تتميز جهة فاس مكناس بثقل فلاحي مهم، لكن تدبير الموارد المائية يبقى ملفاً استراتيجياً. وتظهر برامج وكالة الحوض المائي لسبو لسنتي 2026 وما بعدها وجود دراسات ومشاريع مرتبطة بتدبير المياه الجوفية، خصوصاً بمنطقة تازة، وتأهيل بعض الموارد المائية بالحاجب، ودراسة الربط بين بعض السدود والأحواض، إضافة إلى تتبع المياه السطحية والجوفية.
كما تشير وثائق التخطيط الجهوي إلى ضرورة حماية الموارد المائية من الاستغلال المفرط للمياه الجوفية والتلوث، وتوسيع تقنيات الاقتصاد في مياه الري.
ويعني ذلك أن النقاش حول الماء في الحملة الانتخابية لا ينبغي أن يقتصر على تأمين الماء الصالح للشرب فقط، بل يشمل أيضاً استدامة الموارد الجوفية، ونجاعة الري، وحماية النشاط الفلاحي، ومعالجة المياه والتكيف مع التقلبات المناخية.
النقل والطرق والحماية من الفيضانات
البنية الطرقية والتنقل داخل الجهة يمثلان بدورهما ملفاً مشتركاً بين السكان والمقاولات، خصوصاً مع امتداد المجال من المدن الكبرى إلى مناطق جبلية وقروية متباعدة.
ويُظهر برنامج التنمية الجهوية وجود مشاريع مرتبطة بتأهيل محاور طرقية وفك العزلة، فيما واصل مجلس الجهة خلال 2026 تنفيذ البرنامج الجهوي للحماية من مخاطر الفيضانات بعد إنجاز مشاريع في عدد من العمالات والأقاليم، مع برمجة تدخلات إضافية.
وفي مدينة فاس نفسها، تتضمن وثائق التخطيط البيئي مشاريع مرتبطة بتصريف مياه الأمطار والبنيات الخضراء والوقاية من الفيضانات، إلى جانب مقترحات تخص تثمين النفايات وتجريب الفرز.
29.3 مليار درهم و340 مشروعاً.. الامتحان في التنفيذ
ويبرز فوق هذه الملفات كلها سؤال تنفيذ البرامج الموجودة أصلاً. فبرنامج التنمية الجهوية 2022-2027، الذي تمت المصادقة عليه من طرف وزارة الداخلية في أبريل 2024، يضم 340 مشروعاً بغلاف مالي إجمالي يبلغ نحو 29.3 مليار درهم.
ومن ثم، فإن انتخابات 2026 تفتح أمام الأحزاب والمرشحين نقاشاً مزدوجاً: ماذا يقترحون للمرحلة المقبلة؟ وما موقفهم من المشاريع والبرامج التي توجد بالفعل في طور التنفيذ أو الدراسة؟
فالناخب في فاس أو مكناس أو تازة أو تاونات أو صفرو أو بولمان أو إفران أو الحاجب أو مولاي يعقوب لا يحتاج بالضرورة إلى مزيد من العناوين العامة بقدر حاجته إلى أجوبة قابلة للقياس: كم منصب شغل؟ أين ستنجز المشاريع؟ ما آجالها؟ كيف ستقلص الفوارق بين المدينة والقرية؟ وكيف سيتم تقييم النتائج؟
وبين أرقام البطالة، وحاجيات العالم القروي، وتوسيع العرض الصحي، وتحديات التعليم والماء والبنية التحتية، تبدو جهة فاس مكناس أمام استحقاق انتخابي يجعل جودة البرامج وقابليتها للتنفيذ معياراً أساسياً للحكم على الوعود، بعيداً عن لغة المزايدات السياسية.
المصدر: فاس نيوز ميديا
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر