في خطوة تواصلية ذكية.. “كلمة الزفزافي” تتحول إلى أقوى رسائل المندوبية العامة لإدارة السجون نحو المصالحة والمواطنة


فاس – فاس نيوز ميديا
بتاريخ: الأحد 7 شتنبر 2025

​بعيداً عن لغة الأمن والقانون، شكلت اللحظة التي سُمح فيها للسجين ناصر الزفزافي بمخاطبة الحاضرين في عزاء والده يوم الخميس الماضي، نجاحاً تواصلياً غير مسبوق للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ونقلة نوعية في فلسفة تدبيرها للملفات الحساسة. فمن خلال هذه الخطوة المدروسة، قدمت المندوبية دليلاً عملياً على نجاح مقاربتها الإصلاحية، وحولت نفسها من مؤسسة لتنفيذ العقوبة إلى فاعل رئيسي في عملية الإدماج وتكريس قيم المواطنة.

منطق الثقة بدل منطق الحظر

خلافاً للممارسات التقليدية التي تميل إلى عزل السجناء ذوي الحساسية عن أي منبر إعلامي أو جماهيري، جاء قرار السماح للزفزافي بالحديث ليكرس منطقاً جديداً مبنياً على الثقة في مخرجات برامج التأهيل وإعادة الإدماج. ويرى متتبعون أن هذا القرار لم يكن ليتم لولا يقين الإدارة بأن خطاب السجين سيكون في مجمله إيجابياً ومتجهاً نحو التهدئة، وهو ما يعكس المسار الطويل من العمل الإصلاحي الذي خضع له المعني بالأمر داخل المؤسسة السجنية.

مضمون الرسالة وتأثيرها

وجاءت كلمة الزفزافي، التي حملت في طياتها نبرة تصالحية ودعوة للتعقل ورسائل حول مراجعته لبعض أفكاره، لتكون بمثابة الرسالة التي أرادت المندوبية إيصالها، لكن هذه المرة على لسان السجين نفسه، مما أعطاها قوة ومصداقية مضاعفة. لقد نجحت هذه الكلمة في نزع فتيل أي توتر محتمل، وقدمت صورة سجين يسير في طريق المراجعة، وهو الهدف الأسمى من أي سياسة عقابية حديثة. وبذلك، أثبتت المندوبية أنها لا تدير فقط “سجناء”، بل تدير “مشاريع مواطنين” قابلين للاندماج من جديد في النسيج الوطني.

ترسيخ دور المؤسسة السجنية كفاعل في الاستقرار

بهذه الخطوة التواصلية الذكية، لم تعد المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج مجرد إدارة خلفية لتنفيذ الأحكام القضائية، بل رسخت دورها كمؤسسة استراتيجية تساهم بفعالية في الحفاظ على السلم الاجتماعي واستقرار الوطن. إنها تؤكد أن المقاربة المغربية في تدبير الشأن السجني هي مقاربة إصلاحية ومواطنة بامتياز، تهدف إلى إعادة بناء الإنسان وتأهيله ليكون إضافة إيجابية لمجتمعه بعد قضاء عقوبته، وهو ما يمثل جوهر فلسفة “الفرصة الثانية”.