من قلب فاس.. مدير سجن “رأس الماء” يكشف ملامح إصلاح عميق في المنظومة السجنية

فاس نيوز | خاص

في مشهد يعكس التحولات التي تعرفها المنظومة السجنية بالمغرب، برز السجن المحلي “رأس الماء” بمدينة فاس كنموذج حي لورش إصلاحي يتقاطع فيه البعد الإنساني مع المقاربة القانونية الحديثة. ومن داخل هذه المؤسسة، قدم مديرها السيد شفيق عزالدين قراءة معمقة لمجموعة من البرامج والمستجدات التي تعيد تشكيل مفهوم العقوبة وإعادة الإدماج.

وفي سياق حديثه، استحضر المسؤول مسار برنامج “الجامعة في السجون”، الذي بلغ محطة مهمة بعد مرور 15 سنة على انطلاقه، حيث لم يعد مجرد مبادرة ظرفية، بل تحول إلى ركيزة أساسية داخل السياسة الإصلاحية المعتمدة. هذا البرنامج، الذي يحظى بعناية خاصة من الملك محمد السادس، يفتح أمام نزلاء المؤسسات السجنية آفاقاً جديدة للتكوين والتحصيل العلمي، بما يعزز فرصهم في الاندماج داخل المجتمع بعد الإفراج.

ويعكس الامتداد الجهوي لهذا البرنامج، خاصة عبر ارتباطه بمؤسسات التعليم العالي التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، إرادة واضحة لتقريب المعرفة من النزلاء وتمكينهم من مواصلة دراستهم في ظروف ملائمة، في خطوة تحمل أبعاداً إنسانية وتنموية في الآن ذاته.

وبموازاة ذلك، شكل موضوع العقوبات البديلة محطة بارزة في هذا التصريح، حيث تم تقديمه كأحد أبرز التحولات التي تعرفها السياسة الجنائية بالمغرب. فالقانون رقم 22.43 لا يكتفي بتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية، بل يؤسس لمقاربة جديدة تقوم على أنسنة العقوبة، من خلال تمكين بعض المحكومين من قضاء عقوباتهم خارج أسوار السجن، عبر أعمال للمنفعة العامة أو آليات رقابية حديثة.

وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أن تنزيل هذا الورش الإصلاحي لم يكن نظرياً فقط، بل رافقته إجراءات عملية، من بينها إحداث أنظمة رقمية لتتبع تنفيذ العقوبات، وتعبئة موارد بشرية متخصصة للإشراف والمراقبة، بما يضمن احترام الضوابط القانونية وتحقيق الأهداف المرجوة من هذا التحول.

ورغم أن تجربة العقوبات البديلة بجهة فاس لا تزال في بدايتها، حيث تم تسجيل حالة أولى فقط، إلا أن هذا المعطى يُقرأ كمؤشر أولي على دخول هذا الورش حيز التنفيذ، في أفق توسيع نطاقه مستقبلاً، خاصة في ظل التنسيق القائم مع مختلف المتدخلين في منظومة العدالة.

وفي المجمل، يبرز هذا المسار الإصلاحي كجزء من رؤية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف العقوبة، ليس فقط كوسيلة للردع، بل كآلية لإعادة البناء والإدماج، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع ومتطلبات العدالة الحديثة.

المصدر: فاس نيوز ميديا