التلفزيون الجزائري يشن هجوماً حاداً على الإمارات ويتوعد بـ “رد الصاع صاعين” بسبب استضافة مؤرخ “يطعن في الأمازيغية”

الجزائر: شن التلفزيون الجزائري الرسمي هجوماً لاذعاً على دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك على خلفية بث قناة “سكاي نيوز عربية” الإماراتية برنامجاً استضاف المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، الذي أطلق تصريحات زعم فيها أن الأمازيغية، المكون الأساسي للهوية الوطنية الجزائرية وفق الدستور، هي “صنيعة صهيونية فرنسية”.

واعتبر التلفزيون الجزائري، في منشور شديد اللهجة عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أن هناك “تصعيداً إعلامياً خطيراً من الإمارات يتجاوز كل الخطوط الحمراء تجاه وحدة وهوية الشعب الجزائري”. ووصف ما حدث بأنه “استهداف خطير لثوابت الشعب الجزائري العريقة ومحاولة للتشكيك في أصولها وتاريخها العميق”.

واتهم المنشور الإماراتي بـ “التهجّم على الجزائر ذات التاريخ المقاوم”، معتبراً ذلك “محاولة يائسة من كيانات هجينة تفتقر إلى الجذور والسيادة الحقيقية”. وذهب التلفزيون الجزائري إلى أبعد من ذلك، متهماً الإمارات بـ “التحول إلى مصانع للفتنة وبث السموم الأيديولوجية مستغلة تاجر أيديولوجيا في سوق التاريخ”، في إشارة واضحة إلى المؤرخ محمد الأمين بلغيث.

وأكد التلفزيون الجزائري بلهجة حازمة أن “الجزائر التي دفعت ملايين الشهداء دفاعاً عن وحدتها لا ترضخ للاستفزازات ولن تغفر المساس بثوابتها وبأسس هويتها وانتمائها”، محذراً من أن “التحريض الإعلامي الذي يمسّ هوية الشعب الجزائري لن يمرّ دون محاسبة أخلاقية وشعبية”.

ووصف “الطعن في وحدة الشعب الجزائري” بأنه “ليس مجرد إساءة إعلامية بل عدوان يطال القيم والسيادة والمصير المشترك”، مؤكداً أن هذا “الطعن يأتي فقط من أجل حصد المزيد من الولاء لمن يقضّ مضاجعهم استقرار الجزائر وتقدمها”. وختم التلفزيون الجزائري منشوره بعبارة شديدة اللهجة، قائلاً: “الجزائر لن تقف باكية على أطلال ما قدمته من دعم ونصرة لكنها وكما يفعل الشامخون ستردّ الصاع صاعين”.

تصريحات بلغيث تثير غضباً واسعاً:

وكانت تصريحات المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، التي وصف فيها الأمازيغية بأنها “مشروع أيديولوجي فرنسي- صهيوني” وأن أصل البربر يعود إلى “عرب فينيقيين”، قد أثارت موجة عارمة من الاستياء وجدلاً حاداً في الأوساط السياسية والثقافية الجزائرية. واعتبر الكثيرون هذه التصريحات مساساً مباشراً بأحد أهم مقومات الهوية الوطنية الجزائرية، التي ينص عليها الدستور: الإسلام والعروبة والأمازيغية.

وقد أدلى بلغيث بهذه التصريحات خلال مقابلة مع قناة “سكاي نيوز عربية”، حيث طلب منه المذيعة، وهي أيضاً جزائرية، توضيح آرائه المثيرة للجدل حول الهوية الأمازيغية وما إذا كانت تمثل طمساً لهوية شعب بأكمله. ورد بلغيث قائلاً: “ليست هناك ثقافة. هذا مشروع أيديولوجي صهيوني فرنسي بامتياز. لا وجود لشيء اسمه أمازيغية، هناك بربر، وهم عرب قدماء وفق ما يدين به كبار المؤرخين في الشرق والغرب”.

وأضاف بلغيث أن “قضية الأمازيغية تُعد، بإجماع عقلاء ليبيا والجزائر والمغرب، مشروعاً سياسياً هدفه تقويض وحدة المغرب العربي، خدمةً لمشروع فرنسي يسعى إلى فرض مغرب فرنكوفوني”. واختتم حديثه بالقول: “نحن نعود في أصولنا إلى الفينيقيين الكنعانيين، وهذا هو السرّ بيننا وبين خصومنا في الداخل والخارج”.

وقد واجه بلغيث انتقادات حادة فور انتشار مقطع الفيديو، حيث وصف نشطاء وباحثون وصحافيون تصريحاته بأنها “استفزازية” و “تحمل خلفيات سياسية”. وقارن البعض بين تصريحاته وتصريحات الكاتب بوعلام صنصال، الذي يقبع حالياً في السجن.

عودة أطروحة “الجذور الفينيقية”:

يُلاحظ في السنوات الأخيرة عودة قوية لأطروحة “الجذور الفينيقية” للجزائر، حيث تنتشر بشكل واسع عبر بعض الصفحات والشخصيات المؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في سياق الجدل الهوياتي المتكرر في البلاد.

تأزم العلاقات الجزائرية الإماراتية مجدداً:

يُعيد هذا الموقف الجزائري الجديد من الإمارات العلاقات بين البلدين إلى مربع الأزمة، بعد فترة من الهدوء النسبي. وكان آخر تواصل بين الرئيسين عبد المجيد تبون ومحمد بن زايد آل نهيان خلال عيد الفطر الأخير، حيث اتفقا على “لقاء يجمعهما في أقرب الآجال”.

يذكر أن العلاقات الجزائرية الإماراتية شهدت توتراً حاداً خلال العامين الماضيين، على خلفية اتهامات جزائرية لأبو ظبي بالقيام بـ “أعمال عدائية” ضدها في المنطقة، وقلق الجزائر من الدور الإماراتي في دفع دول مجاورة نحو التطبيع مع إسرائيل، وهو ما تعتبره الجزائر تهديداً مباشراً لها. وقد انعكس هذا التوتر في حملات سياسية وإعلامية مركزة تحذر مما تصفه بـ “الخطر الإماراتي”.

وقد خرج الحديث عن الإمارات من دائرة الإعلام إلى الطابع الرسمي في يناير 2024، عندما أصدر المجلس الأعلى للأمن في الجزائر بياناً أعرب فيه عن أسفه لما وصفها بـ “تصرفات عدائية مسجلة ضد الجزائر، من طرف بلد عربي شقيق”، وهو ما فهم على أنه تحذير مباشر للإمارات.

وتلاه في مارس 2024 اتهام صريح من الرئيس الجزائري للإمارات بـ “إشعال نار الفتنة في جوار الجزائر ومحيطها”، قائلاً: “في كل الأماكن التي فيها تناحر، دائماً مال هذه الدولة موجود. في الجوار، مالي وليبيا والسودان. نحن لا نكنّ عداوة لأحد، لأننا محتاجون إلى الله عز وجل وإلى الجزائري والجزائرية. نتمنى أن نعيش سلمياً مع الجميع ومن يتبلّى علينا فللصبر حدود”.

وكان أول مؤشر على محاولة لكسر الجليد بين الرئيسين على هامش قمة مجموعة السبع العالمية في روما في يونيو 2024، حيث ظهر الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والإماراتي محمد بن زايد في حديث جانبي لافت، بالنظر إلى التوتر الذي سبق ذلك اللقاء. إلا أن هذا التطور الأخير يبدو أنه يعيد العلاقات إلى نقطة الصفر.

عن موقع: فاس نيوز