لماذا من غير المرجح أن تغلق إيران مضيق هرمز: الحقائق الاقتصادية والاستراتيجية (تقرير)

أصبح مضيق هرمز مرة أخرى محور التوترات الجيوسياسية، حيث هدد المسؤولون الإيرانيون بإغلاقه رداً على الضربات الإسرائيلية. ومع ذلك، وعلى الرغم من الخطاب التصعيدي، يرى الخبراء أن إيران من غير المرجح أن تنفذ تهديداتها، وذلك لأسباب اقتصادية واستراتيجية قوية تجعل من هذا الفعل أمراً يضر بمصالح طهران نفسها.

سيناريو الانتحار الاقتصادي
اعتماد إيران الحرج على المضيق
تعتمد اقتصاديات إيران بشكل أساسي على الممر المائي الذي تهدد بإغلاقه. إذ يمر حوالي 90% من صادرات النفط الإيرانية عبر مضيق هرمز سنوياً، ما يمثل نحو 83% من إجمالي صادرات إيران. ونظراً لأن عائدات تصدير النفط تشكل نحو 85% من إجمالي إيرادات الحكومة الإيرانية، فإن إغلاق المضيق سيعني عملياً قطع شريان الحياة الاقتصادي للبلاد.

وتفاقم الجغرافيا الإيرانية هذا الاعتماد، إذ تقع جميع موانئ تصدير النفط الإيرانية الكبرى تقريباً داخل الخليج العربي، مما يجعل مضيق هرمز أساسياً لرفاهية الاقتصاد الإيراني. أما ميناء تشابهار الإيراني الوحيد على المحيط، فيفتقر إلى الأرصفة العميقة اللازمة لاستقبال ناقلات النفط الكبيرة أو البنية التحتية للأنابيب التي تربطه بشبكة النفط الإيرانية.

الضغوط الاقتصادية الحالية
تواجه إيران بالفعل تحديات اقتصادية حادة تجعل من العزلة الذاتية أمراً أكثر تدميراً. فقد فقد الريال الإيراني نصف قيمته خلال الأشهر الستة الماضية، وتعاني البلاد من تضخم مزمن يبلغ 32%. ومع تجدد العقوبات الأمريكية في عهد إدارة ترامب والتي تستهدف صادرات النفط الإيرانية، لا تستطيع الحكومة الإيرانية تحمل قطع مصادر دخلها المتبقية طواعية.

العامل الصيني: نفور أكبر زبون لطهران
واردات الصين الضخمة من النفط الإيراني
برزت الصين كطوق نجاة اقتصادي لإيران، حيث تشتري حوالي 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية. ففي مارس 2025، اشترت المصافي الصينية 1.91 مليون برميل يومياً من الخام الإيراني، وهو ما يمثل جزءاً كبيراً من واردات الصين البالغة 11 مليون برميل يومياً. وقد وفر هذا العلاقة لإيران إيرادات حيوية رغم العقوبات الدولية.

المصالح الاستراتيجية لبكين
تعتمد أمن الطاقة الصيني بشكل كبير على تدفق النفط المستقر عبر مضيق هرمز. ووفقاً للبيانات الحديثة، يأتي 44% من واردات الصين النفطية من دول الخليج، بما في ذلك 1.5 مليون برميل يومياً من الخام الإيراني. بالإضافة إلى ذلك، توفر قطر ربع واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال، وجميعها تمر عبر المضيق.

أي ارتفاع في أسعار النفط نتيجة إغلاق المضيق سيتعارض مباشرة مع مصالح الصين الاقتصادية. كما أشارت إلين والد، رئيسة شركة ترانسفيرسال للاستشارات: “الصين لا تريد أي تعطيل لتدفق النفط من الخليج، ولا تريد ارتفاع أسعار النفط”. مثل هذه الخطوة قد تدفع الصين إلى ممارسة “كامل قوتها الاقتصادية ضد إيران”.

الواقع العسكري: الوجود البحري الأمريكي
قوة الردع للأسطول الخامس
تحافظ البحرية الأمريكية على وجود كبير في المنطقة من خلال الأسطول الخامس المتمركز في البحرين. وقد كُلِّف هذا الأسطول تحديداً بحماية الشحن التجاري وضمان حرية الملاحة عبر المضيق. وقد تضاعف حجم قاعدة البحرين البحرية مؤخراً بتكلفة 580 مليون دولار، ما يبرز التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بالمنطقة.

المراقبة البحرية المتقدمة
عززت الولايات المتحدة قدراتها في المنطقة بشكل كبير، حيث دمجت الأنظمة غير المأهولة مع الأصول البحرية التقليدية. وتعمل سبع فرق مهام تحت قيادة الأسطول الخامس الآن باستخدام 12 منصة غير مأهولة مختلفة في عمليات “التعاون بين البشر والآلات”، مع التركيز على تتبع سفن البحرية الإيرانية والحرس الثوري حول المضيق.

السوابق التاريخية
هددت إيران مراراً بإغلاق المضيق خلال العقدين الماضيين، لكنها لم تنفذ ذلك أبداً. وقد شكل وجود القوات البحرية الدولية، وخاصة الأسطول الخامس الأمريكي، رادعاً دائماً لمثل هذه الأفعال.

العواقب الاقتصادية العالمية التي تضر بحلفاء إيران
تأثير الإغلاق على أسواق الطاقة الآسيوية
سيؤدي الإغلاق إلى دمار في أسواق الطاقة الآسيوية، حيث تقع أهم حلفاء وشركاء إيران التجاريين. ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة، يتجه نحو 70% من النفط المار عبر المضيق إلى آسيا، مع كون الصين والهند واليابان من أكبر المستوردين. وتعتمد الهند على الطاقة الشرق أوسطية أكثر من الصين، ما يجعلها أكثر عرضة للاضطرابات.

اضطراب سوق الغاز الطبيعي المسال
ترسل قطر، ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، تقريباً كل صادراتها عبر المضيق. ومع توقيع الصين اتفاقية تاريخية بقيمة 60 مليار دولار ومدة 27 عاماً مع قطر، فإن أي اضطراب سيؤثر بشدة على هذه العلاقة الحيوية. وتشير التحليلات إلى أن أي تعطيل قد يؤدي إلى فقدان يومي يقارب 310 ملايين متر مكعب من الغاز، مع وصول قدرات التسييل خارج الخليج إلى حدودها القصوى.

تحليل الخبراء: الطبيعة الانتحارية للإغلاق
تقييم الدكتور أنس الحجي
حلل الدكتور أنس الحجي، الخبير العالمي في أسواق الطاقة والشريك الإداري لشركة Energy Outlook Advisors LLC، الموقف الاستراتيجي الإيراني بشكل موسع. وتوفر خبرته في توقعات سوق النفط وجيوسياسة الطاقة وأمن الطاقة رؤى مهمة حول سبب استبعاد إغلاق إيران للمضيق. وكما ورد في التحليل: “أصدقاء إيران سيتضررون أكثر من أعدائها… لذا من الصعب جداً تصور حدوث ذلك”.

تقييم الأثر الاقتصادي
تشير التحليلات الحالية إلى أن إيران، رغم امتلاكها القدرة العسكرية لتعطيل حركة المرور عبر الزوارق السريعة والغواصات والصواريخ، إلا أن ذلك سيستدعي رداً انتقامياً من القوى الغربية وحلفائها. وستكون العواقب الاقتصادية شديدة بشكل خاص على إيران نفسها، نظراً لأن صادرات النفط تمثل حوالي 20-25% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني.

طرق بديلة: محدودة لكنها موجودة
بدائل خطوط الأنابيب
رغم أهمية مضيق هرمز، إلا أن بعض الطرق البديلة موجودة. فقد طورت الإمارات والسعودية خطوط أنابيب التفافية، بقدرة فائضة تبلغ حوالي 2.6 مليون برميل يومياً يمكنها تجاوز المضيق. ومع ذلك، فإن هذا يمثل بالكاد ربع الحجم اليومي المعتاد الذي يمر عبر المضيق.

القيود الاستراتيجية
رغم وجود هذه البدائل، إلا أن الطاقة المحدودة تعني أن أي اضطراب كبير سيظل يسبب أثراً اقتصادياً عالمياً كبيراً. وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أن 4.2 مليون برميل يومياً فقط من النفط الخام يمكن إعادة توجيهها عبر الطرق البرية.

الديناميكيات الإقليمية الحالية
التوترات الأخيرة وردود الفعل المحسوبة
عقب التصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران، شهدت حركة الشحن عبر المضيق انخفاضاً طفيفاً فقط، حيث أبحرت 111 سفينة شحن في 15 يونيو مقارنة بـ 116 في 12 يونيو. وكان التشويش على الإشارات هو العائق الرئيسي وليس الحصار الفعلي، ما يدل على تفضيل إيران لتعطيل محدود بدلاً من الإغلاق الكامل.

تجنب استهداف البنية التحتية للطاقة
من اللافت أن المواقع الأكثر حساسية لأسعار النفط، بما في ذلك مضيق هرمز ومحطة تصدير جزيرة خارك الإيرانية الرئيسية، تم تجنب استهدافها عمداً في النزاعات الأخيرة. ويشير ذلك إلى وجود تفاهم ضمني بين جميع الأطراف حول العواقب الكارثية لاستهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة.

الخلاصة: المنطق الاقتصادي هو السائد
تشير الأدلة بقوة إلى أن إيران من غير المرجح أن تغلق مضيق هرمز، رغم التهديدات المتكررة. إذ أن هذا الفعل سيشكل انتحاراً اقتصادياً لدولة تعاني بالفعل من العقوبات والضغوط الاقتصادية. والأهم من ذلك، أنه سيؤدي إلى نفور أهم حليف وزبون لإيران، الصين، مع استدعاء رد عسكري من الولايات المتحدة وحلفائها.

وكما يشير تحليل خبراء الطاقة، فإن الإغلاق سيضر أصدقاء إيران أكثر من أعدائها، ما يجعله خطوة غير مجدية استراتيجياً. وبينما يُستخدم التهديد كأداة دبلوماسية، فإن الحقائق الاقتصادية والاستراتيجية تجعل التنفيذ الفعلي أمراً غير مرجح للغاية. إذ تعتمد بقاء إيران على طرق التجارة ذاتها التي تهدد بإغلاقها، ما يخلق تناقضاً جوهرياً يعتقد الخبراء أنه سيمنع مثل هذا الإجراء المتطرف.

عن موقع: فاس نيوز