تكشف وثيقة رسمية جزائرية عن تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي للمؤسسة العسكرية في الجزائر وممارستها على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين التي تتصدر خطابها الإعلامي والسياسي. فبينما تشهد مختلف المدن المغربية، من الرباط إلى الدار البيضاء وفاس وأكادير وطنجة ومراكش ووجدة وحتى القرى النائية، عشرات المسيرات والتجمعات التضامنية العفوية والمنظمة التي امتلأت فيها الساحات بالأعلام الفلسطينية والهتافات الرافضة للعدوان، تظهر وثيقة داخلية صادرة عن وزارة الداخلية الجزائرية، مؤرخة في الأول من غشت 2025 تحت رقم 9589، حقيقة مختلفة تمامًا. فالوثيقة ترفض بشكل قاطع منح ترخيص لمسيرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني، دعت إليها مجموعة من الأحزاب الجزائرية في السابع من غشت، مبررة ذلك بأن القانون لا يسمح بالتظاهر في الفضاءات المفتوحة كالساحات والشوارع، وأن أي نشاط من هذا النوع يجب أن يقتصر على قاعات مغلقة.

يأتي هذا الرفض الفاضح ليعكس مثالاً صارخًا على سياسة الخنق السياسي التي يفرضها النظام الجزائري، والتي تطال حتى أشكال التضامن التي يفترض أنها تشكل جزءًا مما يسميه بـ “الثوابت الوطنية”. فحتى عندما يتعلق الأمر بفلسطين، تلك القضية التي تستغلها الجزائر في خطاباتها الخارجية وتساوم بها في المحافل الدولية، فإن التعبير عنها داخل البلاد لا يتم إلا بشروط الجيش وأجهزته الأمنية، وفي قاعات مغلقة وتحت إشراف مباشر للجنرال قائد أركان الجيش، السعيد شنقريحة. والمفارقة أن الأحزاب التي تقدمت بطلب تنظيم المسيرة ليست أحزابًا معارضة، بل هي في الغالب محسوبة على دوائر النظام نفسه، ورغم ذلك لم يسمح لها بتنظيم هذا الحدث الرمزي، مما يعكس إلى أي مدى بلغ الهوس الأمني والقمع السياسي في بلد يسيره العسكريون بقبضة من حديد.
في المقابل، تظهر الصورة بشكل مختلف تمامًا في المغرب، حيث لم تمنع السلطات أي تعبير شعبي أو مدني عن التضامن مع فلسطين، بل سجلت خلال الأشهر الأخيرة تنظيم أكثر من خمسين وقفة وتظاهرة تضامنية في مختلف جهات المملكة. هذه الفعاليات، التي نظمتها هيئات سياسية ونقابية وحقوقية ومدنية، شهدت حضورًا لافتًا للشباب والطلاب والمواطنين العاديين في شوارب المملكة، وهم يرفعون شعارات واضحة تدعم الشعب الفلسطيني وترفض العدوان. الفرق هنا صارخ بين بلد يسمح لشعبه بالتعبير بكل حرية في قضية إنسانية عادلة، وآخر لا يثق في مواطنيه حتى عندما يرفعون علم فلسطين.
يؤكد هذا المشهد أن النظام العسكري الجزائري، الذي يدعي دعمه “لفلسطين ظالمة أو مظلومة”، لا يسمح في الواقع إلا بفلسطين تحت وصايته المباشرة، وبالقدر الذي يخدم أجندته الدعائية. أما إذا أراد الشعب الجزائري أن يعبر عن تضامنه بشكل مستقل وعفوي، فإن ذلك يصبح ممنوعًا ويصنف فورًا على أنه “تهديد أمني”. ففي الجزائر، لا يسمح بالتضامن إلا بإذن مسبق من الجنرال، ولا يرفع العلم الفلسطيني في العلن إلا إذا باركته الثكنة العسكرية، مما يحول التضامن من تعبير إنساني نبيل إلى مجرد إجراء أمني خاضع للرقابة، وكل ما لا ينظم وفق قواعد النظام يواجه بالمنع والقمع. وفي نهاية المطاف، يبدو أن فلسطين عند النظام الجزائري ليست قضية شعب يكافح من أجل حقوقه، بل مجرد ذريعة للسلطة يتم توظيفها حسب الحاجة.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر