في ظل النقاش العام حول تنظيم العمران ومحاربة البناء غير القانوني، تبرز مسألة “الهدم” كأحد أكثر الإجراءات الإدارية حساسية، لما لها من أثر مباشر على حياة المواطنين وحقهم في السكن والملكية. وإذا كان القانون قد وضع مسطرة واضحة لهذا الإجراء، فإن هذه المسطرة تصبح أكثر تعقيداً ودقة، وتمنح حقوقاً معززة للمواطن، عندما يتعلق الأمر بعقارات مقامة فوق أراضي الجموع، أو ما يعرف بالأراضي السلالية. فما هي هذه الضمانات التي يجهلها الكثيرون؟
أولاً: المسطرة العامة للهدم (القانون 66.12)
قبل الخوض في الحالة الخاصة، من المهم التذكير بأن أي عملية هدم لبناء مخالف يجب أن تخضع لمسطرة قانونية صارمة، أهم مراحلها:
- المعاينة والمحضر: يقوم ضابط مؤهل بمعاينة المخالفة وتحرير محضر رسمي بها.
- أمر من العامل: لا يتم الهدم بقرار من السلطة المحلية المباشرة (القائد)، بل يجب صدور أمر مكتوب بالهدم من عامل العمالة أو الإقليم.
- التبليغ والأجل: وهو حق أساسي، حيث يجب على الإدارة تبليغ المواطن بقرار الهدم ومنحه أجلاً قانونياً لتنفيذه طواعية أو للطعن فيه أمام القضاء.
أي عملية هدم تتجاوز هذه المراحل تعتبر إجراءً معيباً من الناحية القانونية.
ثانياً: الحالة الخاصة لأراضي الجموع (القانون 62.17)
عندما يكون العقار المعني بالهدم (بسبب توسعة طريق أو مشروع ما) قائماً فوق أرض سلالية، فإن المسطرة السابقة وحدها لا تكفي. فالأراضي السلالية لها نظامها القانوني الخاص الذي يخضع لوصاية وزارة الداخلية، ويضيف طبقة حماية إضافية لذوي الحقوق.
- موافقة مجلس الوصاية هي شرط أساسي:
لا يمكن الشروع في أي مشروع عمومي على أرض سلالية، أو انتزاع حق الانتفاع من أحد أفراد الجماعة، إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من مجلس الوصاية المركزي التابع لوزارة الداخلية. قرار توسعة طريق على أرض جموع ليس قراراً محلياً، بل قرار مركزي يتطلب دراسة وتصديقاً على أعلى مستوى لضمان حماية حقوق الجماعة. - التعويض العادل والمنصف أولاً:
ينص القانون بشكل قاطع على أنه لا يمكن حيازة أرض سلالية من أجل المنفعة العامة إلا بعد تحديد هوية ذوي الحقوق المستغلين لها، وتعويضهم تعويضاً عادلاً ومنصفاً عن فقدانهم لحقهم في الاستغلال. هذا التعويض ليس منّة من الإدارة، بل هو شرط قانوني يسبق عملية الحيازة، وقد يكون تعويضاً مالياً أو عينياً (قطعة أرضية أخرى). - لا هدم بدون تعويض مسبق:
يترتب على ما سبق نتيجة قانونية واضحة: لا يحق للإدارة هدم أي بناء أو منشأة على أرض سلالية بدعوى تنفيذ مشروع عام، إلا بعد استيفاء مسطرة الموافقة والتعويض الكامل لذوي الحقوق. أي هدم يتم قبل ذلك هو تعدٍ مادي على حقوق الغير.
و ختاما إن المواطن الذي يستغل عقاراً فوق أرض سلالية يتمتع بحماية قانونية مزدوجة: حماية يفرضها قانون التعمير، وحماية خاصة وأقوى يفرضها قانون الأراضي السلالية. ومن واجب السلطات الإدارية، على جميع المستويات، أن تكون على دراية تامة بهذه المساطر المعقدة وأن تحترمها بكل دقة، فسيادة القانون لا تكتمل إلا بضمان حقوق أضعف الحلقات في المجتمع وحمايتها من أي شطط أو تعسف محتمل
المصدر: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر