العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج في المغرب: تقاطعات النوع والأسرة والمجتمع (الجزء الثاني)

العلاقة السابقة ونجاح الزواج أية علاقة؟
رغم تصاعد الخطاب الحداثي الذي يربط بين التعارف المسبق وجودة الزواج، فإن التمثلات التقليدية لا تزال تفرض هيمنتها الرمزية والاجتماعية.ففي المجتمع المغربي، يتجاذب تصور العلاقة العاطفية ما قبل الزواج تياران متضادان، أحدهما حداثي يعتبرها وسيلة لفهم الآخر وبناء مشروع زوجي متين، والآخر تقليدي يرى فيها تهديدا للضوابط الأخلاقية وتفككا لقيم العفة والحياء، خصوصا حين تتضمن العلاقة بعدا جنسيا.
تتباين المواقف داخل المجتمع ذاته، فبعض الأزواج الذين عاشوا علاقة عاطفية قبل الزواج يصفون تجربتهم بالإيجابية، معتبرين أن هذا المسار ساعدهم في بناء الثقة والتفاهم. في المقابل، يرى آخرون أن تلك التجربة تؤسس لمناخ من الغيرة والشك، خاصة إذا تجاوزت العلاقة حدود العاطفة إلى الاتصال الجنسي، ما يزرع بذور عدم الثقة بين الشريكين لاحقا.وتبرز هنا مفارقة سوسيولوجية لافتة. فرغم كون العلاقات العاطفية تتيح فرصة التعارف الفعلي وعن قرب، فإن الثقافة المجتمعية لا تزال تمارس نوعا من العقاب الرمزي والاجتماعي على المعرفة المسبقة، خصوصا إذا كانت المرأة هي الطرف المبادر أو المنخرط. إذ يعاد إنتاج مبدأ طهارة المرأة بوصفه أحد شروط الوجاهة الزوجية، مما يضعها تحت ضغط مضاعف بين الرغبة في الحب، والخوف من فقدان القيمة الرمزية في سوق الزواج.
يجسد هذا التضاد التوتر بين الرغبة الشخصية في إقامة علاقة وجدانية حرة قائمة على اختيار الشريك والتعبير الصادق عن العاطفة، من جهة، والمطالب الأسرية والاجتماعية التي تفرض الزواج النظيف أخلاقيا، من جهة أخرى.يرتبط هذا الصراع بما تسميه نانسي تشودورو “التنشئة الاجتماعية للجنس، حيث تزرع القيم الأخلاقية والسلوكية منذ الطفولة وفقا لمعطيات النوع الاجتماعي، مما يجعل الحب في سياق الأسرة المغربية محكوما بإطار واجبات أخلاقية متوارثة، ولا ينظر إليه على أنه فعل فردي خالص.
يشير بيير بورديو إلى أن الجسد هو “حقل للهيمنة الرمزية، حيث تفرض عليه قواعد وضوابط تعكس علاقات القوة الاجتماعية، خصوصًا فيما يتعلق بالأنثى. في المجتمع المغربي، يتجسد هذا في ربط طهارة الجسد بشرف الأسرة، مما يجعل أي فعل جنسي خارج إطار الزواج مرفوضًا ومحملا بالوصمة. وفي المقابل، يسمح للذكور بمساحات أوسع من التجريب، وهو ما يعكس هيمنة ذكورية تستند إلى توزيع غير متكافئ للسلطة الرمزية في السوق الجنسي، كما يوضح بورديو.
وسائل التواصل الحديثة (الرقمية والاجتماعية) تمثل قنوات جديدة للتعارف والتعبير العاطفي خارج الرقابة التقليدية، لكنها ليست بمنأى عن الضبط الاجتماعي.يظهر إرفينغ غوفمان في “العرض الذاتي في الحياة اليومية” كيف يتم تنظيم سلوك الأفراد في “العرض” الاجتماعي، بحيث يحافظ كل شخص على صورة مقبولة أمام الجمهور أو الآخر. في السياق المغربي، يستمر الأفراد في الموازنة بين التعبير عن الحرية الشخصية والخضوع للمعايير الأخلاقية السائدة، حيث تتحكم المرجعيات التقليدية في الواجهة الاجتماعية، وتفرض الرقابة حتى على العلاقات الرقمية.
رغم المطالب المتزايدة بإصلاح القانون الجنائي وإلغاء الفصل 490 الذي يجرم العلاقات الجنسية خارج الزواج، يظل المجتمع عموما – بخاصة في المناطق المحافظة – أكثر تشددا في ضبط السلوك من خلال الأعراف والعادات.يمثل هذا التناقض حالة شائعة في المجتمعات التي تعيش تحولات اجتماعية، حيث يتأخر التشريع عن اللحاق بالتحولات القيمية، أو يكون في صراع مع ممارسات المجتمع.

التحول العاطفي والجنسي في المغرب الراهن: مفارقات بين الحداثة والضبط الاجتماعي
تشير المتغيرات الاجتماعية والثقافية الراهنة إلى احتمالية حدوث تحولات تدريجية في ميدان العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج بالمجتمع المغربي، تتجلى في صعود الوعي الفردي ورفض القوالب الجامدة: مع انتشار قيم الحداثة والتفتح الفكري، يتزايد وعي الشباب والفتيات بحقوقهم في التعبير عن رغباتهم العاطفية والجنسية، ما يدفع نحو إعادة تعريف المعايير الاجتماعية التقليدية.
انتشار التربية الجنسية المؤسسية رغم محدوديتها، فقد بدأت بعض المؤسسات التعليمية والصحية تتبنى برامج للتربية الجنسية، ما يفتح آفاقًا لوعي صحي ومتوازن حول الجسد والرغبة والمسؤولية، ويفكك التابوهات المرتبطة بالموضوع.
تزايد حالات الزواج بعد تعارف طويل وغير تقليدي، ليزداد عدد الأزواج الذين يختارون شريك حياتهم بعد فترة تعارف تمتد لسنوات، تمارس فيها العلاقات العاطفية ضمن أطر غير تقليدية، ما يعكس نوعا من إعادة التفاوض على شروط الزواج التقليدي.
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات ومقاومات قوية تعيق السيرورة التحولية، من بينها هيمنة النموذج الذكوري المحافظ: تستمر البنى الذكورية في فرض قواعد صارمة على السلوك الجنسي والوجداني، خاصة على النساء، ما يحد من حرية التعبير والممارسة، ويُكرس فجوات في الحقوق والاعتراف.
غياب الاعتراف المؤسساتي بالعلاقات قبل الزواج: لا تعترف القوانين والمؤسسات الرسمية بالعلاقات العاطفية أو الجنسية قبل الزواج، وهو ما يخلق فراغًا قانونيًا واجتماعيًا يترك الأفراد عرضة للوصمة والعقاب الرمزي والاجتماعي، في ظل سيادة الخطاب الأخلاقي الأحادي: يغلب الخطاب الديني والأخلاقي التقليدي الذي يرفض هذه العلاقات ويعتبرها خارجة عن الشرعية، ما يجعل النقاش العام حول موضوع العلاقات قبل الزواج محدودًا وموجهًا، ويعيق تقبل التنوع والاختلاف.
إن توازن هذه المتغيرات بين عوامل التغيير والمقاومة سيحدد إلى حد بعيد ملامح العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج في المستقبل المغربي. ويمكن اعتبار هذا الحقل ميدانا لتفاوض مستمر بين قيم الحداثة ومتطلبات التقليد، وبين الحقوق الفردية وفرضيات الانتماء الجماعي.وفي هذا السياق، يصبح البحث السوسيولوجي أداة أساسية لفهم ديناميات التحول هذه، ولطرح توصيات تدعم ثقافة الاعتراف والاحترام المتبادل، في سبيل مجتمع أكثر عدالة وحرية.
تبرز سوسيولوجيا العلاقات العاطفية والجنسية قبل الزواج في المجتمع المغربي مفارقات جوهرية بين الواقع الممارس والخطابات المعتمدة، إذ يتجلى تعارض بين الرغبة في التحرر الفردي من قيود التقليد من جهة، واستمرار هيمنة السلطة الأسرية والثقافية المحافظة من جهة أخرى.هذا التوتر يشكل محور صراع رمزي واجتماعي يؤثر في تكوين الهوية الفردية والجماعية على حد سواء، ويعكس تعقيدات التحولات الاجتماعية التي يمر بها المغرب المعاصر.ولعل تجاوز هذه التوترات يستلزم مراجعة شاملة ومنهجية للخطابات التربوية والدينية والقانونية، تعزز من خلالها ثقافة الاحترام المتبادل والمساواة بين الجنسين، مع ضرورة إرساء مناخ عام يسمح بتطبيع الحديث العمومي حول العاطفة والجنس، بعيدا عن كل أشكال التجريم الرمزي أو الأخلاقي التي تعيق حرية التعبير وتكسر صيرورة التفاوض المجتمعي حول القيم.
د. هشام بوقشوش م باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز