سوسيولوجيا السكن مع الأسرة بعد الزواج: بين سلطة الجماعة وتطلعات الاستقلال (الجزء الثاني)

الاختيارات الممكنة: بين الضرورة والقرار
يتوزع الأزواج المغاربة بعد الزواج بين ثلاث وضعيات سكنية رئيسية، تعكس تباينات طبقية ومجالية وثقافية:
أولها السكن الدائم مع الأسرة، ويعد النمط الأكثر شيوعا، خصوصًا في القرى والمراكز الحضرية الصغرى، حيث تظل الأسرة الممتدة هي الوحدة الاجتماعية المهيمنة، وتقل فرص الولوج إلى السكن المستقل.
ثانيها السكن المؤقت في بيت العائلة، إذ يعتمد هذا الخيار كمرحلة انتقالية في انتظار توفير مسكن خاص، سواء عبر الادخار أو انتظار فرصة عمل أو دعم من الأسرة.
ثالثها الاستقلال السكني المبكر، وهو نمط يغلب على الطبقة الوسطى المتعلمة في المدن الكبرى، التي تتوفر على قدر أكبر من الموارد المالية، والوعي بأهمية الخصوصية الزوجية، واستقلالية القرار العائلي.
غير أن هذه الاختيارات ليست دائما ثمرة قرارات حرة، بل تقيد في كثير من الأحيان بإكراهات اقتصادية وثقافية. فحتى حين يرغب الزوجان في الاستقلال السكني، قد يجدان نفسيهما مضطرين للإقامة في بيت الأسرة بسبب الارتفاع المهول في أسعار الكراء، أو هشاشة سوق الشغل، أو غياب الدعم السكني الملائم، وهو ما يحول القرار السكني إلى خيار قسري أكثر منه تعبيرا عن قناعة أو تصور حياتي مستقل.
وبهذا المعنى، فإن أنماط السكن بعد الزواج لا تعكس فقط تفضيلات فردية، بل تعد مرآة لبنية اجتماعية واقتصادية مركبة، تتقاطع فيها التحولات العمرانية، وتمثلات الأدوار الأسرية، وتفاوتات الوصول إلى الموارد.
التداعيات الاجتماعية والنفسية
ترتبط تجربة السكن المشترك مع الأسرة بعد الزواج بعدد من التداعيات البنيوية والنفسية العميقة، التي تؤثر في استقرار العلاقة الزوجية، وفي مسارات التنشئة داخل الفضاء العائلي، وهو مرتبطة أساسا بتأخر النضج الزوجي إذ أن غياب الاستقلالية الكاملة يمنع تشكل ثقافة زوجية مستقلة، ويبقي الزوجين في حالة تبعية رمزية للعائلة، مما يعوق بناء نمط حياتي خاص يُعبّر عن خصوصية العلاقة بينهما.
كما أن تآكل الحميمية، نتيجة انعدام الخصوصية، ووجود أطراف أخرى في المجال السكني، تتحوّل العلاقة الزوجية إلى علاقة تحت المراقبة، ما يؤدي إلى برود عاطفي، وتآكل تدريجي للمشاعر.
وضع تتفاقم في إطاره النزاعات، إذ أن الخلافات الزوجية، حين تحدث في فضاء مشترك، تستدعي تدخل أطراف ثالثة (كالوالدين أو الإخوة)، مما يُعقّد فرص التفاهم الذاتي بين الزوجين، ويحوّل النزاع إلى أزمة عائلية موسعة.
وهنا يتم نقل الضغوط إلى الأبناء في ظل التوترات المستمرة، ينشأ الأطفال في بيئة مشحونة، تغيب فيها الحدود بين العائلي والزوجي، مما يُسبب اختلالات في البناء النفسي، وتشوشًا في التمثلات المتعلقة بالأسرة والعلاقة بين الأبوين.
وقد كشفت دراسة ميدانية أنجزها ياسين الحمداوي على عينة من الأزواج في مدن مغربية متوسطة، أن نسبة كبيرة من الأزواج القاطنين مع أسرهم يعانون من توترات مزمنة تؤثر سلبا على جودة العلاقة الزوجية، وتفضي في بعض الحالات إلى الانفصال العاطفي الطويل أو الطلاق الصريح، خاصة في غياب مساحات للحوار المستقل والقرار المشترك.
خاتمة
كشف تجربة السكن مع الأسرة بعد الزواج في المجتمع المغربي عن مفارقة بنيوية عميقة: فهي من جهة تجسد قيم التضامن والامتداد العائلي، وتوفر دعما ماديا وعاطفيا ضروريا في ظل واقع اقتصادي هش، لكنها من جهة أخرى تعيد إنتاج أنماط الهيمنة الأسرية، وتقيد فرص الاستقلال الزوجي، وتنتج توترات بنيوية تهدد التماسك الأسري الداخلي.
لقد أظهر التحليل أن هذا النمط السكني يتقاطع مع عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية مركبة، ويتوزع بين أبعاد رمزية (السلطة الأبوية، أدوار النوع، الحميمية)، وأبعاد مادية (تكاليف السكن، ضعف التشغيل، غياب سياسات سكنية دامجة)، مما يجعل قرار السكن أقل ارتباطا بالرغبة وأكثر خضوعا للإكراه.كما أن استمرار هذا النمط، رغم تحولات الحياة الحضرية وارتفاع مستويات التعليم، يعكس بطء التحول نحو الفردانية في المجتمع المغربي، وعمق تجذر البنية الأسرية التقليدية التي تجعل من الفضاء العائلي مجالا للصراع بقدر ما هو مجال للدعم.
إن التفكير في مستقبل الزواج والسكن بالمغرب يقتضي مقاربة شمولية تراعي البعد السوسيو-اقتصادي للعائلة، وتعيد النظر في السياسات العمومية للسكن ودعم الشباب المتزوجين، وتشجع على بناء نماذج عيش جديدة تحترم الخصوصية، وتضمن التوازن بين الاستقلال والتضامن.السؤال السوسيولوجي الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمكن إعادة تخيل السكن العائلي بوصفه فضاء للتفاوض والتكيف بدل أن يكون ساحة للصراع والتكرار؟
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز