سوسيولوجيا التجمّل الرجالي وتخوّف النساء من المنافسة: تحولات الذكورة وقلق المستقبل (الجزء الرابع)

شهد المجتمع المغربي خلال العقدين الأخيرين بروز ظاهرة متنامية للتجمّل الرجالي تعكس تحولات جذرية في تصور الذات الذكورية، وبنيات إدراك الجسد والهندام، وكذلك الدور الاجتماعي للرجل. فقد أصبح الرجل المغربي، خاصة في الفئات الحضرية الشابة والمتوسطة، أكثر انشغالا بمظهره الخارجي، معتمدا على ممارسات جديدة تشمل العناية بالبشرة، تسريحات الشعر المتنوعة، اختيار الملابس بعناية فائقة، فضلا عن استعمال العطور ومستحضرات التجميل سواء بشكل معلن أو ضمني.
رغم أن هذه الدينامية قد تبدو ظاهريا كتعبير عن ثقافة استهلاكية عابرة، إلا أنها تحمل في طياتها انزياحا سوسيولوجيا عميقا في ملامح مفهوم “الرجولة” كما كانت تمثلها الثقافة المغربية التقليدية. فالتحولات في ممارسات التجمّل ليست مجرد تغيير سطحي في الشكل، بل تعكس إعادة إنتاج للهوية الذكورية، وتنقل من نموذج “رجولة الوظيفة” الذي يركز على الدور العملي والقيمي، إلى نموذج “رجولة المظهر” التي تدمج البعد الرمزي والذاتي، وتعيد رسم معايير القوة والهيمنة.
هذا التغير يبرز صراعات داخلية بين قيم الحداثة والفردانية من جهة، وبين الحفاظ على الموروث الثقافي والاجتماعي من جهة أخرى، ما يجعل التجمّل الرجالي مجالا حيويا لفهم الديناميات الاجتماعية والثقافية المتغيرة في المغرب المعاصر.
الذكورة بين الاستقرار التاريخي والتشوش المعاصر
لطالما ارتبطت الرجولة في المخيال الجماعي المغربي بمعايير صارمة تتمثل في القوة، الوقار، والصرامة، مع نفور واضح من الاهتمام بـ”السطحيات” التي غالبا ما ترتبط بالأنوثة، مثل العناية بالمظهر والتجمّل. كان التجمّل يعتبر سلوكا نسويا بامتياز، وكان أي تقاطع للذكور معه يثير الشكوك حول هويتهم الجندرية أو استقامتهم الأخلاقية، مما يعكس حدودًا ثقافية واضحة تحمي مفهوم الرجولة التقليدية.
غير أن هذه الصورة التقليدية بدأت تشهد تصدعات جذرية بفعل مجموعة من العوامل المتشابكة؛ من بينها العولمة الثقافية التي أدخلت قيما وأنماطا جديدة للتعبير عن الذات، التأثيرات الرقمية التي جعلت من المظهر والجسد مساحة مفتوحة للعرض والتفاعل، التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل الطبقات الاجتماعية وفرص الارتقاء، وتراجع المرجعيات الدينية الصارمة التي كانت تُحدد الأطر السلوكية المقبولة.
في هذا السياق، أصبح التجمّل الرجالي ليس فقط مظهرا جماليا، بل شكلا من أشكال إعادة إنتاج الهوية الذكورية، وإن كان هذا الإنتاج يتم في حالة من التوتر والاضطراب. فحدود الذكورة لم تعد واضحة وثابتة، بل صارت موضوع تفاوض مستمر بين الأجيال المختلفة، وبين الطبقات الاجتماعية المتنوعة، مما يعكس ديناميات اجتماعية وثقافية معقدة تتداخل فيها قيم التقليد والحداثة.
خوف النساء من المنافسة الجمالية
من المثير للاهتمام من منظور سوسيولوجي أن تزايد ممارسات التجمّل بين الرجال في المجتمع المغربي يثير لدى العديد من النساء نوعا من القلق المشروع، سواء على صعيد العلاقات العاطفية أو فيما يتعلق بالحضور الجمالي في الفضاء العمومي. فبعض النساء يعبرن عن خشية فقدان ما كان يُعتبر سابقا امتيازا خاصا بهن، أي التفرد بحق التزين والعناية بالمظهر، ما يؤدي إلى إعادة تقييم وتحولات في التوازنات التقليدية المرتبطة بتصورات الجمال والقبول الاجتماعي.
تنتج هذه المقارنات الجديدة بين الرجال والنساء حول التجمّل توترات عميقة في بنية النوع الاجتماعي (الجندر)، فتعيد طرح هذا المفهوم كبناء اجتماعي ديناميكي ومتغير، لا كحقيقة بيولوجية ثابتة. في هذا السياق، يتحول التجمّل إلى ميدان صامت لصراع رمزي بين الجنسين، حيث تتنافس الأدوار الاجتماعية على امتلاك مساحات التعبير والهيمنة الجمالية، ما يسلط الضوء على الأبعاد السياسية والثقافية لهذا التحول.إن هذه الظاهرة تدعو إلى إعادة النظر في الخطابات التقليدية عن النوع الاجتماعي، وتبرز أهمية دراسة التفاعلات اليومية التي تعيد إنتاج وتمثيل الجندر في السياقات الاجتماعية المعاصرة.
قلق من التحوّل الجنسي واختراقات “الجنس الثالث”
في ظل التزايد الملحوظ لاختلاط الرموز والرمزيات الجندرية في المجتمع المغربي، يعبر بعض الأفراد، خصوصا من التيارات المحافظة، عن قلقهم من أن التجمّل الرجالي قد يمثل بوابة لتشويش الهوية الجنسية أو لتسرب مظاهر يطلق عليها اصطلاحا “الجنس الثالث”. يرتبط هذا القلق بأبعاد أخلاقية، ثقافية، ودينية، حيث يستخدم غالبا في الخطابات المحافظة لتأطير ممارسات التجمّل الرجالي على أنها علامات “تأنيث الذكور” أو “تفكك الرجولة”، مما يستدعي رفضا ومقاومة اجتماعية.
مع ذلك، تفرض المقاربة السوسيولوجية تجاوز الأحكام القيمية السطحية هذه، والنظر إلى الظاهرة ضمن سياقها البنيوي، كجزء من تحولات أوسع في معنى الجندر والهوية الجنسية. فالتحولات في ممارسات التجمّل لا تعبر عن تهديد للهوية، بل عن إعادة إنتاجها وتفاوض مستمر عليها في فضاءات اجتماعية وثقافية متغيرة. كما تظهر كيف أن الجندر ليس جوهرا بيولوجيا ثابتا، بل بناء اجتماعي متحرك يتأثر بالعوامل الاقتصادية، الثقافية، والسياسية.هذا الفهم يتيح قراءة أعمق للظواهر المرتبطة بالهوية الجندرية في المغرب المعاصر، ويحفز نقاشا أكثر شمولية حول الحرية الفردية، التنوع الثقافي، والاحتواء الاجتماعي.
أبعاد نفسية واستشرافية
من الناحية النفسية، يعكس التجمّل الرجالي رغبة عميقة في القبول الاجتماعي، والحصول على الاعتراف بهوية إيجابية ضمن فضاءات متغيرة، حيث لم تعد معايير النجاح مقتصرة على الكفاءة المهنية أو الوضع الاقتصادي فقط، بل أصبحت تتطلب حضورا جماليا ومظهريا يتماشى مع الذوق العام المعولم والمتغير. هذا السلوك يعبر عن محاولة مستمرة للتكيف مع متطلبات الحياة الحديثة، وتأكيد الذات عبر جسر بين الذات والآخر.
أما من منظور استشرافي، فقد تمثل هذه الظاهرة مقدمة لتحولات أعمق في بنية النوع الاجتماعي، حيث تتجه المجتمعات نحو مزيد من انسيابية الأدوار الجندرية، وتآكل الحدود الصلبة التي كانت تفصل بين الذكورة والأنوثة. هذا التحول يعكس ديناميات اجتماعية وثقافية تهدف إلى إعادة تعريف الجندر كشبكة علاقات اجتماعية أكثر تنوعًا وتعقيدا، تتجاوب مع متطلبات العصر الحديث.وبذلك، يصبح التجمّل الرجالي ليس فقط مظهرا فرديا، بل مؤشرًا على تحولات بنيوية في المجتمعات، تدعو إلى مراجعة الفهم التقليدي للهوية الجندرية والأنماط السلوكية المرتبطة بها.
التجمّل الرجالي كتجلي لتحوّل سوسيو-ثقافي
لا يعتبر التجمّل الرجالي مجرد ترف جمالي أو سلوك شكلي، بل هو مرآة تعكس إعادة ترتيب الرموز الاجتماعية وتجديدا مستمرا في لغة الجسد والهوية. إنه مسرح حيوي لتقاطعات القوى بين الأبعاد الدينية والثقافية، الفردية والجمعية، التقليدية والحداثية، حيث يتصارع ويتفاوض المعنى الاجتماعي للرجولة.
هذه الظاهرة تمثل تحولا سوسيولوجيا عميقا يفتح المجال للتساؤل حول جوهر معنى الرجولة، وتوازن الأدوار بين الجنسين، وموقع الجسد كعنصر أساسي في إنتاج الرمزية الاجتماعية. فالجسد لا يعد مجرد وعاء بيولوجي، بل هو حامل للمعاني، وميدان لصراع وتفاوض مستمرين على الهوية والقيم.ومن هذا المنطلق، يصبح التجمّل الرجالي نقطة انطلاق لفهم الديناميات المعقدة التي تشكل الواقع الاجتماعي المعاصر، حيث تتداخل البنى الثقافية والرمزية مع التحولات الاقتصادية والسياسية، مما يعيد تشكيل مفهوم الذكورة في إطار متغير ومتعدد الأوجه.
مؤخرا شهد المجتمع المغربي تصاعدا ملحوظا في ممارسات التجمّل الرجالي، التي لم تعد تقتصر على العناية بالنظافة أو الأناقة البسيطة، بل تحولت إلى نمط متميز من التميّز الرمزي والهوية المرئية. هذا التوسع جعل الرجل المتجمل ينافس المرأة في فضاءات الزينة والمظهر، مما يكشف عن تشظي عميق في مفهوم الرجولة التقليدية، ويشير إلى صيرورة اجتماعية معقدة تؤسس لتحولات بنيوية في هوية الذكورة.
هذا التحول لم يخل من ردود فعل متباينة، حيث أبدت أوساط نسائية تخوفات من “المنافسة” في ميدان الجمال والرمزية الاجتماعية، معتبرات أن الرجل المتأنق والجميل يقترب بصريا وسيميائيا من صورة المرأة، مما يهدد خصوصية الحقل الأنثوي للزينة والجاذبية. وتعكس ملاحظات نساء كثيرات حول تخصيص الرجال لوقت أطول أمام المرآة هذا القلق المستتر.
من منظور نفسي-اجتماعي، يقرأ الإفراط في التجمّل أحيانًا كعلامة على هشاشة الهوية الذكورية، أو مؤشّر لتحولات داخلية قد تفضي إلى تغييرات في التوجهات الجنسية أو الأدوار الاجتماعية التقليدية. ورغم أن الربط بين التجمّل وتحول الهوية الجنسية غالبا ما يغذيه خطاب أخلاقي يميل إلى الهلع أكثر من استناد علمي دقيق، إلا أن هذا الجدل يسلط الضوء على أبعاد الرمزية والصراع على الحدود الجندرية.
إن فهم هذه الظاهرة يتطلب مقاربة سوسيولوجية نقدية تراعي تعددية السياقات:
السياق الاقتصادي: حيث يتسارع تسليع الجسد الذكوري عبر الإعلانات وصناعة الموضة، ما يحوله إلى سلعة ذات قيمة رمزية واقتصادية.
السياق الثقافي: الذي يعيد تشكيل معايير الجاذبية والرجولة ضمن منطق استهلاكي متجدد.
السياق النفسي-الاجتماعي: حيث ينعكس القلق الجماعي من فقدان الحدود الصارمة بين الذكورة والأنوثة، وتداعياته على الهوية والجندر.
السياق الاستشرافي: الذي يطرح تساؤلات حول مستقبل الهوية الجندرية، مع احتمال تزايد انسيابية الأدوار الجندرية وتغير المعايير الاجتماعية.
بهذا المعنى، لا يعد التجمّل الرجالي سلوكا فرديا أو ترفا جماليا عابرا، بل هو عنصر مركزي في إعادة هيكلة النظام الرمزي الذي يحكم الجندر في المجتمع المغربي. إذ يمثل ساحة صراع متجددة بين الحداثة والتقليد، بين استراتيجيات الهوية والهيمنة، وبين حرية التعبير والرقابة الاجتماعية.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز