إن الإقرار بوجود بنية تحتية صحية قوية ومتنوعة في مدينة فاس، كما تم توثيقه، لا يعني نهاية النقاش حول قطاع الصحة، بل يجب أن يكون بداية لحوار أكثر عمقاً وصراحة. فالمشكلة الحقيقية ليست في الجدران والمعدات، بل في وضوح المطالب وآليات الحكامة.
فالمطالبة بالحق في العلاج المجاني أو المدعم هو مطلب اجتماعي مشروع ولا يعيبه شيء، بل هو جوهر الدولة الاجتماعية. لكن العيب هو إخفاء هذا المطلب النبيل وراء شعارات كاذبة تدعي غياب البنية التحتية. يجب أن تكون المطالب واضحة: “نريد الولوج لهذه المستشفيات والمصحات الموجودة بأقل تكلفة أو مجاناً”. هذا هو النقاش الحقيقي الذي يجب أن يطرح على طاولة السياسات العمومية، بعيداً عن الشعبوية التي تهدف فقط لتشويه صورة المغرب.
لكن القصة لا تنتهي هنا. فإلى جانب مطلب “المجانية”، هناك إشكالية حقيقية لا تقل أهمية، وهي “تخليق المرفق الصحي”. فالمواطن لا يحتاج فقط لمستشفى مجاني، بل يحتاج لضمانات بجودة الخدمة الطبية المقدمة داخله، سواء في القطاع العام أو الخاص. وهذا يفرض ضرورة تشديد آليات الرقابة والمحاسبة على جودة التطبيب، ووضع حد لأي تهاون قد يمس بصحة المريض.
وفي نفس السياق، يعاني المواطن في القطاع الخاص من غياب شبه تام لشفافية الأسعار. فالمريض يدخل المصحة وهو يجهل تماماً الفاتورة النهائية التي تنتظره، مما يفتح الباب أمام كل أشكال الاستغلال. إن فرض شفافية الأسعار وتوضيحها مسبقاً هو جزء لا يتجزأ من تخليق القطاع وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية لتحسين قطاع الصحة يجب أن تخاض على ثلاث جبهات واضحة: حوار مجتمعي صريح حول تمويل “مجانية العلاج”، فرض رقابة صارمة لضمان “جودة الخدمات”، وإقرار آلية قانونية لضمان “شفافية الأسعار”. وما دون ذلك، سيبقى مجرد ضجيج وشعارات تخدم أجندات التشويه لا مصالح المواطنين.
مقال رأي عن المدير السابق لجريدة فاس نيوز
المصدر:فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر