تاونات – من السهل أن تقول للمواطن “اصبر”، ولكن من الصعب أن تتحسس معاناته اليومية، وآلامه وأحزانه التي تتجدد مع كل شروق شمس. خصوصاً إذا كنت مسؤولاً يغادر منزلاً تتدفق منه المياه من كل صنبرة وحنفية. هذه الحكاية ليست غريبة على سكان جماعة تبودة بإقليم تاونات والمداشر المحيطة بها، حيث لم تعد أزمة المياه مجرد مشكل موسمي، بل أصبحت جرحاً غائراً يتعمق عاماً بعد عام.
فبينما توجد مداشر تكتفي بسقايات عامة، وإن كانت بعيدة عن مساكن الساكنة، توجد مداشر أخرى لا تزال مقصية تماماً عن الربط بشبكة الماء الصالح للشرب. هذا يحدث في الوقت الذي تزخر فيه نشرات الأخبار بأخبار عن وصول المياه النقية إلى جميع الدواوير المغربية، في تناقض صارخ مع الواقع المرير الذي يعيشه أهالي تبودة.
وعود المسؤولين والمنتخبين كانت دائماً تأتي وردية ومزوقة، مصحوبة بتصريحات رنانة وخطابات تؤكد أن “أزمة الماء في طريقها إلى الحل”. لكن الواقع على الأرض يقول عكس ذلك؛ فكل شيء لا يعدو أن يكون حبراً على ورق، والمواطن يظل يغترف من كأس معاناتة ذاتها.
يرسم المشهد اليومي في تبودة لوحات قاسية: نساء يقطعن مسافات تتراوح بين كيلومترين وثلاثة ذهاباً وإياباً للحصول على “بيدو ماء”، وأطفال يقفون في طوابير طويلة أمام السقايات في انتظار دورهم، وكبار السن يشعرون بالمهانة وهم في بلادهم، ولكن دون أبسط حقوق الحياة الكريمة.
اليوم، ومع ارتفاع درجات الحرارة لتصل إلى 40 درجة مئوية، أصبحت الأزمة أكثر خانقة من أي وقت مضى. لم يعد سكان المنطقة يطالبون بالشغل، ولا بمشاريع ضخمة، ولا بشعارات براقة؛ كل ما يبتغونه هو حل آنٍي وسريع، يجدون فيه الماء الذي يروي ظمأهم وظمأة أطفالهم وبهائمهم.
وفي خضم هذا المشهد المبكي، تبرز رسالة خاصة لأساتذتنا الأفاضل، ونحن على أبواب الدخول المدرسي: لا تسألوا التلاميذ “كيف قضيتم العطلة؟”… فالجواب سيكون مؤلماً: كانوا يبحثون عن قطرة ماء، لا عن رحلة ترفيهية ولا عن بحر ولا عن مخيم صيفي.
إن أزمة تبودة ليست مجرد خبر عابر، بل هي نموذج لمجموعة من المناطق بإقليم تاونات. إنها جرح اجتماعي غائر وعميق يحتاج إلى صحافة وصحفيين حقيقيين يوصلون الصوت، وإلى شجاعة سياسية من المنتخبين ليجيئوا بالحل… قبل أن يتحول العطش إلى كارثة إنسانية يصمت عنها الجميع.
عن صفحة: أسرار تاونات (بتصرف)
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر