حسن بنيوب ..صديق البدايات والذاكرة المفتوحة على الحنين
رحمك الله الأستاذ حسن بنيوب

حسن بنيوب ..صديق البدايات والذاكرة المفتوحة على الحنين

منذ لقائنا الأول في قسم السنة الأولى من مرحلة الثانوية بدأت حكايتنا.
هناك، بين مقاعد الدراسة ودفاتر الأحلام، كانت ذكريات البدايات تتفتح مثل زهرة على مهل. كنا عشّاق الحرية، نكتشف العالم ونعيد طرح أسئلته بطريقتنا البريئة الجريئة. شيئًا فشيئًا بدأ وعينا يتشكل بقضايا الوطن والانتماء، نتابع ما يجري حولنا، ونشعر أن لنا نصيبًا من مسؤولية الحلم.

معك بالتحديد بدأت معالم أحلامنا تزداد وضوحًا.
كانت ميولاتنا الفكرية تتشكل من خلال مبادراتك، من تشجيعك الدائم على الإبداع، من حبك للفنون الملتزمة والكلمة الصادقة. حقًا كنت هكذا…
وهكذا عشت، وقد حكي لي الكثير بعد فراقنا عن نفس ذلك الشغف الهادئ، وعن قلبك الذي ظل وفيًا لصدق البدايات.
كان اسمك حسن بنيوب، ومن مدينة فاس خرجت صداقتنا الأولى. لم تكن صديقًا عابرًا، بل كنت أخًا نتقاسم معه تفاصيل الحياة الصغيرة والكبيرة، يجمعنا العمل الجمعوي وشغب الشباب ونقاء النية. منذ صغرك كنت تميل للكتابة والفن، تمشي نحو الإبداع كما يُقاد العطشان إلى الماء.
لم أكن أعلم إلا بعد رحيلك أنك اخترت مهنة المتاعب صحفيًا. اخترت الكلمة طريقًا، لكنك لم تختر الأضواء. كنت قليل الظهور، تفضّل ما وراء الستار، وتترك أثرك دون أن تشير إلى نفسك. كنت تعطي أكثر مما تقول، وتعمل أكثر مما يظهر للناس.
بحثت عنك سنوات طويلة. كنت أظن أن لقاءنا مؤجل لا مفقود. كنت أقول: سنلتقي يومًا بلا موعد كما التقينا أول مرة. لكن اللقاء جاء على هيئة نعي صامت في جريدة إلكترونية يخبرني أنك رحلت إلى دار البقاء.
قرأت الخبر مرارًا وكأن اللغة خانتني. كيف يتحوّل اسم صديق العمر إلى سطر وفاة؟
كيف تأخر العناق حتى صار دعاء؟
رحمك الله يا حسن.
ولحظة تلقي خبر رحيلك… لم أتمالك نفسي. شعرت أن الزمن ينكسر فجأة، وأنني أعود بسرعة الضوء إلى كل تفاصيلنا القديمة: إلى لقاءاتنا في منزل أسرتك، إلى شوارع وأزقة ومقاهي فاس التي حفظت ضحكاتنا. لم أشعر بنفسي إلا وقد وجدتني بين أصدقائك وأبنائك وأسرتك أقدّم العزاء… بينما عزائي أنا كان فيك أنت، في فقدانك الذي لا يُعزَّى فيه.
عدت ليلًا إلى أرشيف الصور، أفتش عنك وعن نفسي معًا. قلّبت صور تلك المرحلة، وفعلاً وجدتك كما في ذاكرتي: حيًّا، مبتسمًا، كما لو أن الزمن لم يمضِ. رأيت صورك وأنت تلقي بعض كتاباتك في إحدى الأمسيات الثقافية والفنية قبل أكثر من خمسة وثلاثين عامًا… فعاد الصوت والصورة والحلم دفعة واحدة، وكأنك لم ترحل.
بحثت عنك سنوات طويلة على أمل لقاء مؤجل، فكان نصيبي أن ألتقيك أول مرة بعد الفراق عبر خبر وفاة. قرأت اسمك في نعيٍ صغير، لكنك في داخلي أكبر من كل الكلمات. رحلت إلى دار البقاء، وبقيت في الذاكرة مقيمًا لا تغادر.
رحمك الله يا حسن بنيوب.
سلام عليك يا ابن فاس، على بداياتنا المشتركة، وعلى أحلام الشباب التي جمعتنا، وعلى قلبك الذي ظل وفيًّا لما أحب حتى النهاية.
كنت الرجل الذي عاش كما يفكّر، والفتى الذي كبر ولم يخن أحلامه الأولى.
بقيت في الذاكرة شابًا لا يشيخ، بابتسامتك الوادعة وهدوئك العميق، وبذلك الشغف الطفولي بالفن والكتابة والحرية.

سلام عليك يا ابن فاس حيث ترقد الآن.
سلام على أول لقاء في قسم الثانوية، وعلى كل الدروب التي سرنا فيها معًا ثم افترقنا.
رحلت عنا تاركا غصة في قلوبنا على أمل اللقاء بك هناك في جنان الخلد .
إنا لله وإنا إليه راجعون.

بقلم : رفيق من ذاك الزمن الجيل

المصدر : فاس نيوز