تقرير رقابي يدق ناقوس الخطر بشأن تدبير المقابر بالمغرب ويكشف ضعف الموارد والحكامة

كشف تقرير حديث صادر عن المجلس الأعلى للحسابات عن مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تطبع منظومة تدبير مقابر المسلمين بالجماعات الترابية، مسجّلًا تحديات متراكمة تتعلق بضعف الموارد البشرية والمالية، وهشاشة الصيانة، وتعقيدات قانونية تمس الوضعية العقارية لعدد كبير من المقابر.

وأفاد التقرير بأن عدد مقابر المسلمين على الصعيد الوطني يبلغ 29.081 مقبرة، تمتد على مساحة إجمالية تناهز 22.019 هكتارًا، وتتوزع على 1.413 جماعة ترابية. ورغم هذا الانتشار الواسع، أشار التقرير إلى محدودية كبيرة في الإمكانيات المخصصة للتسيير، حيث لا يتجاوز عدد الموظفين الجماعيين المكلفين بالمقابر 383 موظفًا فقط، من ضمنهم 109 محافظين و217 مكلفًا بالحراسة، مقابل خصاص واضح في المراقبة والتأطير الإداري.

وسجّل التقرير أن عمليات تنظيف وصيانة المقابر تتم في الغالب بشكل موسمي وغير منتظم، ولا تتعدى في كثير من الحالات مرة واحدة في السنة، خصوصًا بالمجال الحضري، بينما تعرف المقابر الصغيرة أو الواقعة خارج المدار الحضري إهمالًا أكبر. كما أورد أن توفير الوسائل اللوجستية الأساسية، من أدوات الدفن ومواد البناء، يتم غالبًا بطرق ظرفية، ويعتمد في حالات عديدة على مساهمات جمعوية أو تدخلات محسنين، في غياب تصور مستدام يضمن صيانة منتظمة.

وعلى المستوى القانوني، أبرز التقرير تعقيد الوضعية العقارية لأراضي المقابر، حيث تتوزع الملكية بين الجماعات الترابية بنسبة 12%، والجماعات السلالية بنسبة 40%، والخواص بنسبة 35%، وجهات أخرى بنسبة 13%. ولا يتجاوز عدد المقابر التي تتوفر على وثائق قانونية مكتملة 151 مقبرة فقط، في حين قامت بعض الجماعات بتحفيظ 305 مقابر باعتبارها أوقافًا عامة، ما قد يثير إشكالات قانونية محتملة في ظل غياب مساطر واضحة لتصفية الملكية.

أما من حيث التمويل، فقد كشف التقرير عن ضعف كبير في الاعتمادات المرصودة لصيانة المقابر، إذ لا تتجاوز الميزانية السنوية المخصصة للمقبرة الواحدة في الوسط الحضري حوالي 4000 درهم. وخلال الفترة الممتدة بين 2018 و2023، لم يتجاوز مجموع النفقات المخصصة لصيانة حوالي 19 ألف مقبرة مبلغ 38,92 مليون درهم، بمعدل سنوي يقارب 6,49 ملايين درهم، أي ما يعادل حوالي 4611 درهمًا سنويًا لكل مقبرة حضرية.

وأشار التقرير إلى أن هذا الضعف المالي انعكس بشكل مباشر على حالة التجهيزات والبنيات التحتية، حيث لا تتجاوز نسبة المرافق التي توجد في وضعية جيدة 12% من الأبواب، و18% من الأسوار، و8% من المصليات، و14% من مساكن الحراس، إضافة إلى 10% فقط من المرافق الصحية والطرق والمسالك المؤدية إلى المقابر.

واعتمد التقرير على مهمة موضوعاتية أنجزتها المجالس الجهوية للحسابات خلال الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024، وشملت استبيانات وُجّهت إلى 1.503 جماعة ترابية بنسبة استجابة بلغت 94%، إلى جانب زيارات ومعاينات ميدانية همّت 269 جماعة، من بينها 154 جماعة حضرية و115 جماعة قروية.

وخلص المجلس الأعلى للحسابات إلى أن منظومة تدبير مقابر المسلمين تعاني من ضعف في التخطيط والبرمجة الترابية، وقصور في الحكامة الداخلية، ومحدودية الموارد البشرية المؤهلة، داعيًا إلى اعتماد إصلاحات تنظيمية ومالية عاجلة تضمن استدامة هذا المرفق العمومي، وتحفظ كرامة الموتى، وتستجيب لانتظارات الساكنة، في احترام تام لبعده الديني والإنساني.

المصدر : فاس نيوز ميديا