في المجتمعات التقليدية كما الحديثة، لا ينظر إلى الزمن باعتباره كيانا فيزيائيا صرفا، بل كمعطى اجتماعي وثقافي يتم بناؤه وإعادة تشكيله تبعا للسياقات الطبقية، الرمزية، والمؤسساتية. وفي السياق المغربي، يشكل تدبير الوقت والزمن أحد المؤشرات الكاشفة عن تمفصلات البنية الاجتماعية، ومرآة دقيقة لتمثلات الأفراد والمجموعات حول العمل، الراحة، الترفيه، والمسؤولية. وإذا كانت الحياة اليومية في المغرب تحكمها تعددية زمنية تجمع بين “الزمن الفلاحي” المرن، و”الزمن الحديث” المرتبط بالتوقيت المدرسي أو المهني، فإن العطلة الصيفية تظهر بوصفها لحظة انفصال رمزي عن الزمن الناظم، وتحول في أنماط العيش اليومية.
من منظور سوسيولوجي، تمثل العطلة الصيفية مجالا نوعيا لإعادة تشكيل علاقة الأفراد والجماعات بالزمن. فالفئات الميسورة غالبا ما تنخرط في تدبير منظم ومخطط للعطلة، حيث يعاد استثمار الزمن في أنشطة ترفيهية أو ثقافية، بما ينسجم مع منطق الرأسمال الرمزي الذي تحدث عنه بيير بورديو، والذي يجعل من الترفيه المخطط أداة لتعزيز المكانة الطبقية والتميز الثقافي. في المقابل، تعيش الفئات الشعبية العطلة بمنطق استمرارية الحياة اليومية، حيث تختزل العطلة في زيارات عائلية أو مكوث قسري في المنازل، ما يعكس غياب العدالة الزمنية ووجود تفاوت في الحق في الراحة، كما تشير إلى ذلك أدبيات علم الاجتماع النقدي.
من زاوية أخرى، تكشف العطلة الصيفية عن أشكال تفاوت جندري في تدبير الزمن داخل الأسرة. فالنساء، خصوصا في السياقات القروية أو داخل الأسر المحافظة، لا يختبرن الزمن كـفراغ مخصص للراحة، بل يعاد إنتاج أدوارهن التقليدية خلال العطلة، حيث يتحول الزمن إلى مجال إضافي للعمل المنزلي غير المؤدى عنه، ما يعزز منطق الاستغلال الرمزي للجسد الأنثوي، على حد تعبير هنري لوفيفر. أما الأطفال والمراهقون، فإنهم يعيشون العطلة كزمن للتحرر من السلطة المدرسية والعائلية، والانخراط في شبكات زمنية بديلة تنتج عبر المخيمات أو الفضاء الرقمي أو حتى التسكع، ما يقارب مفاهيم إرفينغ غوفمان حول الانسحاب الرمزي من البنيات الضابطة.
من جهة أخرى، تحضر العطلة الصيفية كمجال لصراع رمزي على الاعتراف الاجتماعي. فالأسر تسعى من خلال عرضها لعطلتها على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تقديم صورة متموقعة اجتماعيا وثقافيا، ما يجعل من العطلة أداة لبناء هوية مرئية تراهن على الاستهلاك والظهور. وهنا تستحضر نظرية أكسيل هونيث حول الاعتراف، حيث يتحول الزمن من مجرد مساحة بيولوجية إلى ساحة نضال من أجل الاعتراف بالكرامة والاندماج والمكانة داخل الحقل الاجتماعي.
إن تدبير الزمن خلال العطلة الصيفية في المجتمع المغربي لا يمكن فصله عن البنيات السوسيو-اقتصادية والثقافية التي تؤطر علاقة الأفراد بالعمل، بالترفيه، وبأجسادهم أيضا. فبين من يعيش العطلة كامتياز طبقي، ومن يتعامل معها كترف مستحيل، تتكشف الاختلالات البنيوية التي تطبع المجتمع المغربي، وتعيد طرح سؤال: من يملك الحق في الزمن؟ ومن يقصى من حق العيش خارج روتين البقاء؟
الزمن، كما يتجلى في العطلة الصيفية، ليس متجانسا ولا ديمقراطيا. إنه زمن اجتماعي تفاوتي، يتجلى فيه النفوذ الطبقي، واحتكار الامتيازات الرمزية، واستمرار الأدوار الجندرية. إن سوسيولوجيا الزمن بالمغرب، حين تقارب من خلال لحظة العطلة، تقدم مدخلا لفهم أعمق للسلطة، والاختلاف، والإقصاء الاجتماعي الرمزي.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر