مقال رأي: نوستالجيا التسلط.. لماذا يعشق بعض رجال السلطة “البيروقراطية المتوحشة” واحتقار المواطن؟

في الوقت الذي يخطو فيه المغرب بثبات نحو تكريس “المفهوم الجديد للسلطة”، ويسابق الزمن لرقمنة الإدارة وتنزيل أوراش الدولة الاجتماعية استعداداً لمحطات مفصلية كبرى، لا يزال المواطن يصطدم، بين الفينة والأخرى، بنماذج شاذة وقليلة من رجال السلطة. هؤلاء يبدون وكأنهم قادمون من حقبة غابرة، تحركهم نوستالجيا مرضية نحو ممارسة التسلط، ويتلذذون بتعقيد المساطر ونصب متاريس “البيروقراطية المتوحشة” في وجه المرتفقين.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أمام هذه الحالات: لماذا يحن هذا المسؤول، المفترض أنه وُجد لخدمة الصالح العام، إلى احتقار المواطن؟ ولماذا يستميت في الدفاع عن بيروقراطية معرقلة تضر بصورة الإدارة والدولة معاً؟
بالنسبة لهذه الأقلية المعزولة من رجال السلطة، لا يُنظر إلى المنصب كـ “تكليف” أو مسؤولية لتدبير الشأن العام، بل يُعتبر “غنيمة” وفرصة لممارسة الإسقاط النفسي. احتقار المواطن، أو تهميشه، أو تركه ينتظر لساعات في الممرات، ليس دائماً ناتجاً عن ضغط العمل، بل هو في كثير من الأحيان ممارسة متعمدة لتغذية “إيجو” (Ego) إداري متضخم.
هذا النوع من المسؤولين يرى في خضوع المواطن وحاجته الماسة لتوقيعه أو لقرار إداري، تأكيداً لوجوده وأهميته. إنهم يستمدون هيبتهم المفتعلة من إشعار المواطن بضعفه، في معادلة مريضة يصبح فيها إذلال المرتفق دليلاً على قوة المسؤول.
لا يعشق هؤلاء البيروقراطية حباً في النظام أو احتراماً صارماً للقانون، بل لأن التعقيد الإداري هو السلاح الذي يضمن استمرارية نفوذهم. “البيروقراطية المتوحشة” تعني تعدد المساطر، وكثرة الوثائق غير المبررة، وتداخل الاختصاصات.. وهذا بالضبط ما يخلق “عنق الزجاجة”.
عندما تتعقد مسطرة بسيطة، يتحول الموظف أو رجل السلطة من مجرد منفذ للقانون إلى “صاحب فضل” و”منقذ”. البيروقراطية تمنحهم السلطة التقديرية لتعطيل مصالح من شاؤوا، وتسريع مصالح من شاؤوا. هي باختصار بيئة خصبة لصناعة النفوذ الشخصي، وتكريس عقلية “الزبونية”، وفي أسوأ الحالات، تشجيع الارتشاء.
هذه الفئة بالذات هي أشرس أعداء الرقمنة والتحديث الإداري. فالمنصات الإلكترونية، والشبكات البينية، والحق في الحصول على المعلومة، هي أدوات تسحب البساط من تحت أقدامهم. الرقمنة تُلغي الوساطة، وتحدد آجالاً قانونية لا يمكن التلاعب بها، وتجعل المواطن أمام “شاشة محايدة” لا تطلب الرشوة ولا تعبس في وجهه.
لذلك، نجد أن عشاق البيروقراطية يخلقون مئات الأعذار لعدم تطبيق الأنظمة المعلوماتية، ويصرون على طلب “النسخ المصادق عليها” وحضور المعني بالأمر شخصياً، لأن انتقال الإدارة إلى العالم الرقمي يعني ببساطة تجريدهم من أدوات التحكم والابتزاز المبطن.
إن ما يمارسه هذا النزر القليل من رجال السلطة اليوم ليس تعبيراً عن قوة مفرطة، بل هو “رقصة المذبوح”. إنهم يدركون في قرارة أنفسهم أن عجلة التحديث التي انخرطت فيها الدولة المغربية لا رجعة فيها. تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية، وتوجهات وزارة الداخلية الصارمة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، أصبحت تضيق الخناق على ممارساتهم العتيقة.
إن الدولة الحديثة التي تراهن على جذب الاستثمارات وبناء ثقة المواطن في مؤسساته، لم يعد فيها متسع لـ “عشاق الطابع” وصناع الطوابير. الإدارة الترابية الناجحة تقاس اليوم بمدى قدرتها على حل مشاكل الناس وتيسير حياتهم، لا بمدى براعتها في اختراع العراقيل. أما أولئك الذين ما زالوا يحنون لسنوات “التسلط الإداري”، فهم مجرد رواسب منتهية الصلاحية، سيجرفها تيار التحديث، عاجلاً أم آجلاً.

المصدر: فاس نيوز ميديا