دولي – لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الشغل مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبح واقعاً ملموساً يعيد تشكيل ملامح الوظائف في مختلف أنحاء العالم، بين مخاوف فقدان مناصب تقليدية وبروز فرص جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
وتشير تقارير حديثة إلى أن ما يصل إلى 93% من الوظائف يمكن أن تتأثر جزئياً بالذكاء الاصطناعي، مع إمكانية تحويل تريليونات الدولارات من قيمة العمل نحو الأتمتة . كما يُتوقع أن يشمل التأثير نحو ثلثي الوظائف في أوروبا والولايات المتحدة بدرجات متفاوتة، في حين قد تصبح نسبة من هذه الوظائف قابلة للأتمتة الكاملة .
في المقابل، لا يعني هذا التحول اختفاء الوظائف بشكل كامل، بل تغيير طبيعتها. إذ تؤكد دراسات اقتصادية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي في الوقت نفسه إلى تعويض بعض الوظائف وتعزيز أخرى، من خلال ما يُعرف بـ”التكامل بين الإنسان والآلة”، حيث يتم دعم الإنتاجية بدل الاستغناء التام عن اليد العاملة .
وتبرز البيانات أن الشركات بدأت فعلياً في تقليص بعض الوظائف الروتينية، خاصة في مجالات الإدارة وخدمة الزبناء، مقابل ارتفاع الطلب على الكفاءات التقنية والمتخصصة القادرة على التعامل مع الأنظمة الذكية. كما أن حوالي 40% من المسؤولين التنفيذيين يتوقعون انخفاضاً في بعض الوظائف الخدمية نتيجة اعتماد الذكاء الاصطناعي .
وفي الاتجاه نفسه، سجلت بعض الدراسات تراجعاً في فرص العمل الموجهة للمبتدئين في المهن الأكثر تعرضاً للأتمتة، ما يطرح تحديات جديدة أمام الشباب في بداية مسارهم المهني .
غير أن الصورة ليست سلبية بالكامل، إذ تشير تقارير سوق الشغل إلى ظهور ملايين الوظائف الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل مهندسي البيانات، ومطوري الأنظمة الذكية، وخبراء تحليل المعطيات، حيث تم خلق أكثر من 1.3 مليون فرصة عمل في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة . كما أن بعض التوقعات العالمية تشير إلى أن التحول الرقمي قد يؤدي إلى خلق وظائف أكثر مما سيتم فقدانه على المدى المتوسط .
وفي هذا السياق، يبرز ما يُعرف بـ”الفجوة المهارية”، حيث تتغير المهارات المطلوبة بوتيرة سريعة، إذ أصبحت المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتطور أسرع بنسبة 66% مقارنة بباقي المهارات ، وهو ما يفرض على الأفراد والمؤسسات الاستثمار في التكوين المستمر وإعادة التأهيل المهني.
ويرى خبراء أن الرابح الحقيقي في هذا التحول ليس فئة محددة، بل كل من يمتلك القدرة على التكيف مع التحولات الرقمية، سواء عبر اكتساب مهارات جديدة أو تطوير قدراته المهنية بما يتماشى مع متطلبات سوق الشغل الجديد.
في المقابل، تبقى الفئات الأكثر عرضة للتأثر هي تلك المرتبطة بالوظائف الروتينية أو القابلة للأتمتة، ما يطرح تحديات اجتماعية واقتصادية تتطلب سياسات عمومية قادرة على مواكبة هذا التحول المتسارع.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لا يدمر الوظائف بقدر ما يعيد توزيعها، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها التنافس على المهارات وليس فقط على المناصب.
المصدر : فاس نيوز ميديا
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر