قراءة في الإعلام الجزائري.. حين يصبح المغرب مادة يومية لتغطية الأزمات الداخلية

الجزائر – ثمة شيء يثير الشفقة في المشهد الإعلامي الجزائري؛ فبلد بحجم قارة، يمتلك ثروات نفطية وغازية هائلة، ويزخر بشعب شاب يملك كل مقومات النهوض، يجد جزءاً واسعاً من إعلامه منشغلاً صباح مساء بالمغرب.

طرق المغرب، موانئ المغرب، قطارات المغرب، ملاعب المغرب، طائرات المغرب، دبلوماسية المغرب، وحتى أمطار المغرب… كلها تتحول إلى مادة يومية في استوديوهات يبدو أنها تلقت توجيهاً واحداً: تحدثوا عن المغرب حتى لا يطرح الجزائري أسئلة عن الجزائر.

هنا تتجلى الوظيفة الحقيقية للدعاية؛ فالإعلام الحر يسائل السلطة، بينما يبحث الإعلام الخاضع عن عدو يخدم السلطة ويصرف الأنظار عن القضايا الداخلية.

ولا تتوقف المشكلة عند حدود مذيع يرفع صوته أمام الكاميرا أو محلل يكرر خطاباً محفوظاً، بل تتعلق ببيئة إعلامية تعاني قيوداً عميقة على حرية الصحافة، وفق ما تشير إليه تقارير منظمات دولية، من بينها مراسلون بلا حدود وفريدوم هاوس. فعندما تضيق مساحة الصحافة المستقلة، ويصبح الاقتراب من ملفات الفساد أو مراكز النفوذ أمراً مكلفاً، تنمو الدعاية بطبيعتها على أنقاض الصحافة.

وهكذا يتحول المغرب إلى مادة مثالية؛ فكل نجاح مغربي يُقدَّم باعتباره مؤامرة، وكل استثمار يوصف بالدعاية، وكل تحرك دبلوماسي يُصوَّر على أنه استفزاز، بينما تصبح كل أزمة داخلية في الجزائر قابلة للتجاوز عبر الوصفة الإعلامية ذاتها: ضع خريطة المغرب على الشاشة، استدع ثلاثة خبراء، ارفع نبرة الصوت، تحدث لساعتين عن “المخزن”، ثم اذهب إلى النوم.

أما المواطن الجزائري الذي يبحث عن وظيفة، أو المستثمر الذي يصطدم بالبيروقراطية، أو الشاب الذي يحلم بمستقبل اقتصادي مختلف، فلتؤجل أسئلته إلى إشعار آخر.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الإعلام الجزائري ليس: ماذا فعل المغرب اليوم؟ بل: ماذا فعلت السلطة الجزائرية بعقود من الثروة النفطية والغازية؟

فالبنك الدولي يؤكد استمرار الثقل الكبير للمحروقات في بنية الاقتصاد الجزائري، رغم جهود التنويع ونمو بعض القطاعات غير النفطية، ويشير بوضوح إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في رفع الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على الصمود.

هذه هي المعركة الحقيقية للجزائر؛ ليست في الرباط، وليست في الصحراء المغربية، وليست في مباراة كرة قدم أو تصريح وزير مغربي، بل داخل الجزائر نفسها، بين اقتصاد قادر على تحرير طاقات ملايين الجزائريين، ومنظومة سياسية وإدارية ما تزال تنظر إلى المجتمع والاقتصاد بمنطق التحكم.

غير أن طرح هذه الأسئلة يحتاج إلى صحافة، والصحافة تحتاج إلى حرية، والحرية بطبيعتها تزعج الأنظمة التي اعتادت الإقطاعية والاعتقالات.

قد تبدو هذه العبارة غريبة، لكن النظام الجزائري يحتاج سياسياً إلى صورة المغرب باعتباره “العدو”، لأن وجود خصم دائم يقدم خدمة ثمينة لأي سلطة مأزومة؛ فهو يسمح بتفسير الإخفاقات، وتعبئة الرأي العام، وتشتيت النقاش، واتهام المنتقدين، وتحويل القضايا الداخلية إلى ملفات أمن قومي.

لهذا أصبح جزء من الإعلام الجزائري مجرد مكبر صوت لهذا الهوس، وكانت النتيجة إعلاماً غارقاً في التخلف المهني، يعتقد أن الوطنية تعني الصراخ، وأن الصحافة تعني قراءة بيانات السلطة، وأن التحليل السياسي هو تكرار كلمة “المخزن” ألف مرة في الساعة.

غير أن أكثر ما يفضح هذا الخطاب أنه لا يثق حتى في المواطن الجزائري، لأن السلطة التي تحتاج كل هذا الضجيج كي تقنع شعبها بروايتها، تعرف في أعماقها أن تلك الرواية هشة.

وفي المقابل، ينبغي أن يكون الموقف المغربي واضحاً؛ فالخلاف ليس مع الشعب الجزائري الشقيق، لأن الجزائري الذي يعيش في وهران أو تلمسان أو قسنطينة ليس مسؤولاً عن قرارات الجنرالات.

فالشعبان أقرب إلى بعضهما، وقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في أحد خطاباته أن الشعبين الشقيقين يجمعهما أكثر مما يفرقهما. فهناك لغة مشتركة، وعائلات مشتركة، وذاكرة مشتركة، وموسيقى ومطبخ وعادات ووجدان متداخل، بل إن المرء قد يحتاج أحياناً إلى دقائق ليعرف إن كان من يحدثه في إحدى المدن الأوروبية مغربياً أم جزائرياً.

وهذه هي الحقيقة التي تخيف دعاة القطيعة.

وقد سبق لصندوق النقد الدولي أن وصف منطقة المغرب الكبير بأنها من أقل مناطق العالم اندماجاً اقتصادياً، مع مستوى ضعيف جداً للتجارة البينية.

وإذا تأملنا هذا الواقع، سنجد أن العالم يتجه نحو بناء تكتلات اقتصادية عابرة للحدود، وأن دولاً خاضت فيما بينها حروباً مدمرة أصبحت اليوم تتبادل السلع والاستثمارات، بينما يصر المغرب الكبير على إغلاق الحدود بين شعبين يكادان يتحدثان اللهجة نفسها، ثم يعقد مؤتمرات حول التنمية الإقليمية.

فماذا كان يمكن أن يحدث لو وُجد محور اقتصادي مغربي جزائري حقيقي؟ طاقة جزائرية، وموانئ وبنية لوجستية مغربية، وسوق إقليمية واسعة، وتكامل صناعي، وسياحة عابرة للحدود، واستثمارات مشتركة، وربط بري وسككي، وملايين المستهلكين وفرص العمل.

غير أن الاقتصاد يحتاج إلى عقلانية سياسية، والعقلانية هي أول ضحايا الأنظمة التي تبني شرعيتها على الخوف وصناعة العدو الخارجي.

إن زوال النظام العسكري السلطوي في الجزائر، وانتقال البلاد إلى حكم مدني ديمقراطي حقيقي، لن يكون هدية للمغرب، بل سيكون، قبل كل شيء، انتصاراً للجزائريين أنفسهم.

فالجزائر تمتلك كل المقومات تقريباً لتصبح قوة اقتصادية كبرى في المنطقة؛ الموارد، والمساحة، والموقع، والشباب، والسوق، والطاقة. وما ينقصها هو تحرير المبادرة، وتحرير السياسة، وتحرير الاقتصاد، وتحرير الإعلام من وظيفة البوق.

فعندما يصبح الصحافي قادراً على مساءلة الحاكم بدل مهاجمة المغرب، ستبدأ الجزائر في اكتشاف حجم طاقاتها الحقيقية. وعندما يصبح المسؤول مضطراً إلى تقديم حصيلة اقتصادية بدل الاكتفاء بخطابات المؤامرة، سيتغير معنى الحكم. وعندما يختار الجزائريون حكامهم بحرية ويحاسبونهم بحرية، يمكن حينها أن نكتشف حقيقة العلاقة بين المغرب والجزائر.

قد يخصص الإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي ألف ساعة أخرى للحديث عن المغرب، وقد يستدعي ألف خبير استراتيجي، ويرسم ألف مؤامرة على الخرائط، لكن سؤالاً واحداً سيظل يطارده:

لماذا تخاف سلطة تملك كل هذه الثروة والسلاح والإعلام من صحافي جزائري حر؟

ذلك هو السؤال.

أما المغرب فسيظل جاراً، والجزائر ستظل جارة، ولذلك فإن المستقبل الحقيقي للمنطقة لن يصنعه مذيع غاضب في استوديو دعائي، ولا جنرال يعيش بعقلية الحرب الباردة، بل سيصنعه الجزائري عندما يدرك أن عقود العداء مع المغرب أهدرت مستقبله وضيعت عليه فرصاً كثيرة.

ويوم تتحرر الجزائر من قبضة الحكم العسكري، وتتحرر صحافتها من وظيفة البوق، قد لا يكون ذلك نهاية أزمة سياسية فحسب، بل ربما يكون أيضاً بداية المغرب الكبير الذي مُنع من أن يولد.

المصدر : فاس نيوز ميديا