في سياق مغربي تتزايد فيه مؤشرات التأزم داخل المنظومة التربوية، تطفو إلى السطح حادثة مأساوية تتجاوز بعدها الفردي لتكتسب دلالات بنيوية عميقة، وهي قضية الأستاذ المرحوم معاذ. لم يكن الراحل مجرد رقم في سجل الموارد البشرية، بل شكل في رحيله المأساوي تجسيدا صارخا لانهيار العلاقة بين المؤسسة التعليمية ومواردها البشرية، وللأزمات المركبة التي تعانيها المدرسة العمومية من الداخل.
تفتح هذه الحادثة الباب أمام سؤال جوهري حول كيفية ممارسة السلطة التربوية سلطتها داخل فضاء يفترض فيه أن يكون حاضنا للتنشئة والدعم، لا للعقاب والإقصاء. فحين تتحول الإجراءات التأديبية إلى أدوات للعنف الرمزي، تغدو المدرسة مجالا لإنتاج الخضوع والانضباط، بدل أن تكون فضاء تربويا حيويا.
في النظم الإدارية الحديثة، يشكل التوقيف الاحترازي تدبيرا استثنائيا، يفعَّل فقط عند وجود خطر داهم يهدد السير العادي للمرفق العمومي. غير أن استدعاء هذا الإجراء في حالة الأستاذ معاذ، دون احترام للمساطر القانونية (استفسار رسمي، بحث إداري أو تحقيق قضائي)، يكشف عن توظيف بيروقراطي للسلطة يفتقر إلى المشروعية، ويطرح تساؤلات حول حدود الشرعية القانونية في الممارسة الإدارية داخل قطاع التعليم.
في هذا الإطار، يمكن استحضار تحليل ميشيل فوكو حول تحول السلطة من أداة إصلاحية إلى تقنية للضبط والمراقبة. فقد تم تفعيل الإجراء التأديبي لا بغاية تقويم أو حماية المرفق، بل كآلية لإخماد صوت تربوي مقلق لمنظومة بيروقراطية متصلبة، استجابت لضغوط خارجية غير مؤطرة قانونيا، على رأسها تدخلات جمعيات أولياء التلاميذ.
ينتمي الأستاذ معاذ إلى فئة “الأطر الجديدة”، وهي فئة تركت في كثير من الحالات لتواجه تحديات الإدماج والتكيف في غياب آليات المواكبة والتأطير التربوي. ومن خلال هذه الحالة، يظهر استمرار هيمنة منطق إداري مركزي وجهوي تقني، يعيد إنتاج تصور اختزالي للأطر التربوية كأدوات تنفيذية قابلة للإزاحة، مما يرسّخ نمطًا من الهابيتوس المؤسسي بتعبير بيير بورديو، يكرّس الهيمنة الرمزية عبر إقصاء ناعم وغير معلن.
يتمظهر أحد أبعاد الإشكال كذلك في الانزياح الوظيفي لبعض الفاعلين، كما هو الحال مع جمعيات الآباء التي تحولت في بعض الحالات إلى سلطة ضاغطة وموازية خارج اختصاصها التربوي، دون خضوع للمساءلة أو التنظيم القانوني. هذا التحول يعكس دينامية تشظي السلطة داخل الحقل التربوي، ويحول الجمعية من شريك بيداغوجي إلى أداة رقابة أخلاقية. وفقا لتحليل إرفينغ غوفمان، فإن هذه الدينامية تساهم في إنتاج وصمة مؤسساتية، تصنف المدرس كعنصر مشوش أو خطر، دون أي تحقق موضوعي أو مراعاة للحق في الدفاع والإنصاف.
أما انتحار الأستاذ، فلا يمكن مقاربته كحدث معزول أو كنتيجة لعوامل نفسية ذاتية فقط، بل يتطلب فهما سوسيولوجيا بنيويا أوسع. وفقًا لتحليل إميل دوركهايم، فإن فعل الانتحار يرتبط غالبا بانحلال الروابط الاجتماعية، واضطراب القيم، وغياب آليات التضامن. ومن هذا المنظور، فإن انتحار الأستاذ معاذ يمثل شكلًا من “الموت المهني”، الناتج عن التهميش الممنهج، والإقصاء الإداري، والعنف الرمزي المستمر، في ظل غياب شبكات الحماية المؤسسية والدعم النفسي والاجتماعي.
قضية الأستاذ معاذ ليست حالة استثنائية، بل هي مرآة لعطب هيكلي يعتري المنظومة التعليمية، التي تعاني من تداخل سلط سلطوية غير منسجمة، ومن غياب رؤية بيداغوجية حقوقية مندمجة، تقدم التكوين والدعم النفسي بدل الزجر والعقاب. في مثل هذه السياقات، تتحول المدرسة من فضاء للترقي الاجتماعي إلى مجال لتكريس الفشل المهني والاستنزاف المعنوي.
تكشف هذه الواقعة المأساوية عن الحاجة الملحة لإعادة هندسة العلاقة بين الفاعل التربوي والمؤسسة التعليمية، من خلال تبني مقاربة شمولية تقوم على التكوين المستمر، والعدالة الإدارية، وحماية الكرامة المهنية. كما يستدعي الإصلاح الحقيقي نقد العقلية البيروقراطية التي تنتج الخوف والانصياع، وتفكيك بنى السلطة التي تفرز العنف الرمزي وتقوض الانتماء المهني، حتى نعيد للمدرسة دورها كمؤسسة للمعنى والتنشئة والعدالة.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر