تعد ممارسات التجمّل النسائي طقوسا مركبة تتجاوز بكثير بعدها التجميلي الظاهري، لتتموضع ضمن شبكة من الدلالات الرمزية المشحونة ثقافيا واجتماعيا. ففعل التزيّن، كما تشير العديد من المقاربات السوسيولوجية، ليس مجرد خيار فردي أو ممارسة جمالية بريئة، بل هو شكل من أشكال التعبير الاجتماعي المشفّر، تعاد عبره صياغة معاني الجسد، والأنوثة، والانتماء، والموقع داخل الحقل الرمزي للمجتمع.
في السياق المغربي، حيث تتقاطع المرجعيات التقليدية مع الحداثية، وتتنازع سلطة العرف والدين مع التحولات الثقافية المتسارعة، اتخذ التجمّل النسائي مكانة مركزية باعتباره أداة للتعبير عن الوضعية الطبقية، والانتماء الثقافي، والحالة المدنية (عازبة، متزوجة، مطلقة…)، بل وحتى عن الموقف من القيم الأخلاقية والمرجعيات السائدة حول المرأة المحترمة. وهو ما يجعل من الزينة النسائية فعلا محملا بالتأويلات، خاضعا لمنظومة دقيقة من التوقعات الاجتماعية والرقابة الرمزية.
ففي مجتمعات تضفي طابعا أخلاقيا على الجسد، تصبح الزينة مجالا لصراع التأويلات: متى يكون التجمل مباحا؟ متى يصبح مريبا؟ ما الحدود بين التأنق والاستفزاز؟ وبين التعبير عن الذات والانفلات من الضوابط؟ هنا تتقاطع السلطة الرمزية، ومع التمثلات الثقافية للجندر، لتؤسس علاقة جدلية بين الزينة والانضباط، وبين الجمال والشرعية، حيث لا يترك الجسد الأنثوي في المجال العمومي دون تأطير صارم لمعانيه وتعبيراته.
. التجمّل كحقل اجتماعي خاضع للتغير
لقد شهدت ممارسات التجمّل تحولات عميقة في العقود الأخيرة، نتيجة تضافر عدد من العوامل البنيوية من أهمها التمدين وتوسّع الفضاء العام من خلال دخول النساء إلى سوق الشغل، الجامعات، والشارع بوصفه فضاءً عموميًا أعاد تعريف ضرورة “الظهور” والاهتمام بالمظهر في الحياة اليومية. كما أن العولمة الثقافية والإعلامية ممثلة في الإعلام، والمسلسلات، ومنصات التواصل، أدت إلى فرض نموذج عالمي للجمال، قوامه النعومة، النحافة، البشرة الفاتحة، الماكياج الدائم، ومظاهر الاحتراف في الزينة. أدى ذلك إلى تجانس جمالي ظاهري في المدن، مع تهميش نسقي للتنوع الجمالي المحلي.
دخلت مستحضرات التجميل مجال السوق المعولم، حيث أصبحت الزينة نشاطا اقتصاديا ضخما مرتبطا بعلامات تجارية، وخدمات، وإعلانات، ومنتجات. وتحوّلت الزينة من معطى ثقافي إلى رأسمال جمالي قابل للاستثمار، خاصة في مجالات مثل التسويق، الخدمات، الترفيه، والميديا.رغم هذا التحول الظاهري نحو الاختيار الفردي، فإن التجمّل لا يزال محكوما بأنظمة رمزية ضاغطة. فما يقدم كاختيار شخصي في الإعلانات ومنصات التواصل غالبا ما يخفي تكيفا مع معايير جمالية صارمة، لا تنفك تخلق ضغطا نفسيا مستمرا على النساء للحفاظ على الصورة النموذجية. لكن هذا لا ينفي وجود محاولات للتمرد، والانتقاء، وإعادة توظيف الرموز الجمالية. فقد أعادت بعض النساء المغربيات الاعتبار لعناصر الزينة التقليدية (كالحناء، الكحل، اللباس المحلي)، وأدمجنها داخل أنماط جديدة من التجمّل الهجين الذي يجمع بين الأصالة والحداثة.
لا يمكن اختزال ممارسات التجمّل النسائي في بعدها الفردي أو الجمالي الخالص، بل ينبغي فهمها بوصفها ظاهرة اجتماعية مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الرمزية، الثقافية، والتفاعلية. فالتجمّل ليس مجرد قرار ذاتي منعزل، بل هو أداء اجتماعي محكوم بمنظومة من التوقعات والرموز الثقافية التي تعيد إنتاج الفروقات الجندرية وتؤطر ما يعتبر أنوثة مقبولة أو مرغوبة داخل المجتمع.
في هذا السياق، يمكن الاستئناس بتحليل إرفينغ غوفمان (Erving Goffman) لمفهوم العرض المسرحي للذات، الذي يرى أن الأفراد يقدمون أنفسهم أمام الآخرين بطريقة تماثل ما يحدث على خشبة المسرح، حيث تضبط تفاصيل الجسد واللباس والحركة بهدف التأثير على الجمهور (المجتمع). ووفقا لهذا التصور، يشكل الجسد النسائي في ممارسات التجمّل واجهة رمزية تعبر من خلالها المرأة عن انخراطها في النسق الاجتماعي، واستجابتها لمعايير الأنوثة المقررة سلفا. فالماكياج، اللباس، الحلي، تسريحات الشعر… كلها أدوات تستخدم لتقديم صورة منضبطة للذات، تخاطب الآخر ضمن قواعد العرض المقبول.
لكن هذا العرض ليس حرا بالكامل، إذ تحكمه بنية رقابية خفية تحدد مدى شرعية الزينة، ومتى وكيف يفترض بالمرأة أن تتجمّل. ففي المجتمع المغربي مثلا، هناك اختلاف في شرعية التجمّل بحسب الفضاء (العمومي مقابل الحميمي)، والعمر، والحالة العائلية، والانتماء الطبقي، بل وحتى السياق الديني أو الأخلاقي.وبالتالي، لا يكون التجمل فعلا عفويا أو فطريا، بل أداء اجتماعيا مشفّرا، يستبطن قيما ومعايير متجذرة في الثقافة المحلية، ويعيد إنتاج التصنيفات الجندرية ضمن شبكة معقدة من التوقعات المجتمعية. إنه لغة صامتة تستخدم لتأدية الأنوثة داخل شروط اجتماعية صارمة، وإن بدا للوهلة الأولى أنه تعبير فردي عن الجمال.
ممارسات التجمّل التقليدية: بين الرمز والجماعة
في السياق المغربي التقليدي، لم تكن الزينة النسائية مجرد تزيين للجسد، بل كانت ممارسة ذات طابع شعائري، محملة بالرمزية الاجتماعية والروحية، تؤدى داخل منظومة من القيم التي تزاوج بين الجمال والطهر، وبين الزينة والانضباط الأخلاقي. فالمرأة لم تكن تتجمّل متى شاءت أو كيفما شاءت، بل وفق تقاليد مضبوطة تربط التجمّل بمناسبات مخصوصة، وتجعل منه حدثا جماعيا ذا دلالة.
اعتمدت النساء المغربيات على مواد طبيعية مستخرجة من البيئة المحلية، مثل الحناء، الكحل الطبيعي، الأعشاب العطرية، المسك، ماء الورد، السواك، العكر الفاسي وغيرها. هذه المواد ليست فقط أدوات تجميل، بل رموز ثقافية ترتبط بالنقاء، الجاذبية، البركة، والصحة. على سبيل المثال، لم تكن الحناء تستخدم فقط لتزيين اليدين والرجلين، بل كانت تمثل طهارة وانتقالا نحو مرحلة جديدة (كالزواج أو النفاس أو البلوغ)، وترافق غالبا بأغان طقسية وشعائر جماعية.
التجمّل التقليدي لم يكن فعلا يوميا روتينيا، بل مرتبطا بأحداث اجتماعية معينة: العرس، الختان، العيد، عاشوراء، الولادة…، أي أنه ممارسة سياقية، تؤدى في لحظات تعتبرها الجماعة استثنائية، وتتطلب حضورا رمزيا متميزا للمرأة المتجمّلة. هكذا يتخذ التجمّل وظيفة مزدوجة، فهو تعبير عن الفرحة، لكنه في الآن ذاته وسيلة لإعادة تأكيد الانتماء إلى الجماعة والامتثال لقيمها.
بعكس ما نشهده اليوم من فردنة للتجمّل، كانت الزينة سابقا تمارس جماعيا، خصوصا في فضاء الحمّام التقليدي، الذي يعتبر من أبرز الحقول الثقافية التي تنتج الزينة وتعيد تدويرها بين النساء. فالحمّام لم يكن فقط فضاء للنظافة، بل ساحة للتفاعل والتواصل النسائي، حيث تتبادل وصفات التجميل، وتشكل الجماعة معايير الجمال المقبول.كما تشكل جلسات الحناء الجماعية – خاصة في الأعياد أو الأعراس – لحظة اندماج اجتماعي، تعيد فيها النساء إنتاج التضامن الرمزي، عبر الأغاني والضحك وتبادل الحكايات. بهذا المعنى، لم يكن التجمّل فعلا فرديا، بل ممارسة تكتسب عبر التنشئة الاجتماعية النسائية، وتمارس ضمن نظام تضامني وشبه شعائري.
في السياقات القروية أو المحافظة، غالبا ما كانت الزينة تربط بالطهارة والعفّة. فالمرأة الصالحة تتجمّل بحدود، وتختار مواد طبيعية طاهرة، فيما ينظر إلى الإفراط في الزينة أو استخدام أدوات اصطناعية أو صارخة على أنه خروج عن القيم، وقد يصنف ضمن ما يعتبر سلوكا غير محتشم أو غامض النية. هكذا يعاد إنتاج العلاقة بين الجسد والجنس والأخلاق من خلال معايير الزينة.
التجمّل التقليدي في المجتمع المغربي ليس مجرد ممارسة جمالية، بل منظومة ثقافية رمزية، تنظم العلاقة بين الجسد، الجماعة، الأخلاق، والطقس. وهو ما يجعل الزينة التقليدية مادة سوسيولوجية غنية، تكشف عن كيفيات تموضع المرأة داخل نسق اجتماعي يضبط أنوثتها من خلال الجسد المتجمَّل.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر