في المجتمعات التقليدية، ظل جسد المرأة مجالا رمزيا مشحونا بالمعاني، ومحكوما بمنظومات عرفية ودينية تفرض عليه حدودًا واضحة بين “الخصوصي” و”العلني”، بين “المسموح” و”المحظور”. وكان التجمل النسائي، ضمن هذا السياق، طقسًا خاصا مرتبطا بمناسبات اجتماعية محصورة، يخضع لرقابة الجماعة، ويتخذ شكلا من أشكال الامتثال الرمزي للهوية الجماعية. غير أن المجتمع المغربي، في العقود الأخيرة، يشهد تحولات عميقة مست البنى القيمية والتمثلات الثقافية للجسد والأنوثة، وهو ما جعل التجمل النسائي ينتقل تدريجيًا من دائرة الخصوصية إلى المجال العمومي، بل إلى “المشاعية الجمالية” التي تتيح للمرأة عرض ذاتها في الفضاء العام بوصفها فاعلة جمالية، لا فقط موضوعا للعين الذكورية أو التقاليد العائلية.
يعد جسد المرأة في المجتمعات التقليدية بنية رمزية كثيفة المعاني، ليس فقط في تمثلاته البيولوجية، بل فيما يختزنه من دلالات اجتماعية وأخلاقية ودينية. وقد تم ضبط هذا الجسد بواسطة منظومات الحياء والعيب والحشمة والحرام، مما جعله مجالا للضبط الجماعي، تراقبه الأسرة، والجماعة، والمؤسسة الدينية، فتتموقع ممارسة التجمل ضمن سياقات مشروطة ومحدودة، مثل الأعراس أو المواسم أو الطقوس الاحتفالية، حيث يسمح للمرأة أن تتجمل ضمن حدود الاحتفالية المراقبة.
لكن هذه المعادلة، كما تشير التحولات الجارية في المجتمع المغربي، عرفت تغيرا بنيويا ناتجا عن عوامل متعددة، يمكن تحليلها ضمن مداخل ثلاث:
أولًا: التحول في البنيات الاجتماعية والقيمية
ساهمت التحولات الاقتصادية والعمرانية (التمدين، التمدرس، صعود الطبقة الوسطى، الانفتاح على الإعلام)، في إعادة تشكيل علاقة المرأة بجسدها. فلم يعد الجسد مجرد حامل رمزي للشرف أو الأخلاق، بل أضحى تعبيرا عن الفردانية والهوية الذاتية. وبهذا، أصبح التجمل ليس خضوعا لقيم الجماعة، بل أداء رمزيا للذات الأنثوية، يمارس في الشارع، والمقهى، والجامعة، والفضاء الرقمي.
ثانيًا: تراجع السلطة الرمزية للمؤسسات التقليدية
عرفت الأسرة التقليدية، والزاوية، والمجتمع المحلي، تراجعا في سلطتها التقريرية بشأن الجسد. فمع صعود خطاب الحقوق الفردية، وانفتاح المجال العام، أصبح من حق المرأة أن تتصرف في مظهرها كحق من حقوق الجسد، بعيدًا عن شرعية الأوامر الأبوية أو وصاية المجتمع. وأصبح التجمل يحمل دلالة تحررية وتحكم ذاتي في الجسد لا مجرد التزام أخلاقي.
ثالثًا: صعود المشاعية الجمالية
إن المفهوم الذي تطرحه الفقرة، أي “المشاعية الجمالية”، يشير إلى أن الجمال لم يعد مقتصرا على المناسبات، بل أصبح سلوكا يوميا تعيد المرأة من خلاله تموقعها الاجتماعي. فصارت الزينة أداة تفاوض على المكانة، والرغبة، والاعتراف، وحتى على الحق في الوجود داخل الحيز العام. وهو ما يشبه ما سماه بيير بورديو بـالرأسمال الجمالي الذي يستثمر في التفاعل الاجتماعي.
رغم هذه التحولات، فإن المجتمع المغربي لا يزال يعيش مفارقة عميقة: ففي الوقت الذي تتوسع فيه حرية المرأة في عرض ذاتها، فإن تمثلات الجسد لا تزال مثقلة بإرث قيمي تقليدي، يعيد إنتاج النظرة الأداتية للجمال كـإغراء أو انحراف. وهو ما يجعل المرأة عرضة لـخطابين متناقضين: خطاب الحداثة الذي يحتفي بجمالها كأداء ذاتي، وخطاب التقليد الذي يجرمه كتهديد أخلاقي.
إن تحول التجمل النسائي من الطقس الاجتماعي الخاص إلى المشاعية الجمالية اليومية، ليس مجرد تغيير سطحي في الموضة أو السلوك، بل هو تحول سوسيولوجي في عمق تمثلات الجسد والأنوثة في المجتمع المغربي. ويعكس هذا التحول صراعا بين منطقين: منطق الامتثال للهوية الجمعية، ومنطق بناء الذات الأنثوية بوصفها كيانا حرا يتصرف في رمزية جسده كما يشاء. وبين هذين المنطقين، تعيد المرأة المغربية التفاوض على مكانتها، وسط تقاطعات حادة بين التقاليد والحداثة، بين الحياء والتحكم الذاتي، وبين الذوق العام والحق في التعبير الجسدي.
هذا التحول لا يعني بالضرورة انعتاقا تاما من البنى الضابطة، بل هو انتقال تفاوضي معقد، يتم فيه إعادة تشكيل الحدود بين المسموح والممنوع، بين الحرية الفردية والمعايير الجمعية. فالمجتمع المغربي يعيش اليوم حالة من ازدواجية المعايير. فمن جهة، هناك خطاب حداثي يشجع تمكين المرأة واستقلاليتها الجسدية، ومن جهة أخرى، تمارس رقابة اجتماعية مضاعفة، تحاكم المرأة انطلاقًا من مظهرها، وتحاصرها بتمثلات أخلاقية محافظة تحيل على “السترة”، “الحياء”، “الوقار”، وغيرها من القيم المرتبطة بالشرف العائلي والديني.
هذا التحول لا يفهم بوصفه قطيعة راديكالية مع البنى التقليدية، بل كـعملية تفاوضية مركبة تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والجماعة، بين الحرية والرقابة، وبين الفردانية والامتثال.
التحول التفاوضي لا الانعتاقي:
الانتقال من الخصوصية إلى العلنية الجمالية لا يعني بالضرورة التحرر من كل الضوابط، بل يعني انخراط المرأة في مساومة رمزية مستمرة مع الحدود الثقافية والاجتماعية. فالتجمل في المجال العام لا يمارس في فراغ، بل داخل منظومة الرقابة الرمزية، التي باتت أكثر تعقيدا، وأحيانا أكثر شدة، بفعل تعدد واجهات المحاكمة (الأسرة، الشارع، وسائل التواصل، المدرسة، الجيران…).هذا ما تسميه نانسي فرايزر بالمجال العمومي المتنازع عليه، حيث تنتج الذوات صورا عن أنفسها ضمن شروط لا تملكها بالكامل.
ازدواجية المعايير كآلية ضبط اجتماعي:
تتجلى ازدواجية المعايير في التشجيع الرسمي لتمكين المرأة في الخطاب الإعلامي والمؤسساتي والتعليمي.مقابل خطاب شعبي محافظ يمارس على الأرض، يحاكم المرأة وفقا للـسترة والوقار واللباس المحتشم، وتترجم هذه الازدواجية في سلوكيات مثل:التحرش بالمرأة المتجملة بوصفها متهمة ضمنيا بإثارة الفتنة، أو مطالبتها بـالتحلي بالمسؤولية عن ردود فعل الآخرين على مظهرها، وفي الوقت ذاته، يثمن حسن المظهر للمرأة داخل سوق العمل أو الإعلام.إنها مفارقة معيارية تجعل المرأة محاصرة بين متطلبات الظهور العصري ومخاطر التجريم الأخلاقي.
التجمل كأداة مقاومة وأداة ضبط في آنٍ واحد:
التجمل النسائي أصبح سلاحًا ذو حدين، فهو من جهة، هو أداة تمكين وتأكيد للذات، ورفض للخضوع الكامل للتصور الأبوي للجسد.ومن جهة أخرى، هو أداة رقابة اجتماعية مستبطنة، تمارس على النساء أنفسهن، إذ تنخرط بعضهن في محاكمة الأخريات باسم الستر والحياء والعفة، مما يشير إلى تواطؤ رمزي في إعادة إنتاج الضوابط القديمة داخل قوالب جديدة.
يمكن توظيف تحليل إرفينغ غوفمان لإدارة الانطباعات لفهم كيف تختار المرأة كيف تظهر، وضمن أية حدود، ومفهوم الهابيتوس لبيير بورديو في تفسيره كيف تجسد التمثلات الثقافية في اختيارات اللباس والزينة.ونظرية الأداء الجندري لجوديث بتلر كيف توضح أن التجمل فعل يومي يعيد إنتاج أو يزعزع الأنظمة الجندرية.
إن تحول التجمل النسائي في المغرب ليس مسارا تحرريا صافيا، بل هو حقل صراع رمزي، تتداخل فيه التطلعات الفردية مع الضوابط الاجتماعية، ويخضع لتفاوض يومي مع قيم متناقضة. فبين حداثة الخطاب ومحافظة التمثلات، تظل المرأة المغربية تخوض معركة مزدوجة: معركة من أجل الظهور، ومعركة من أجل التبرير.
يندرج هذا الصراع ضمن ما يسميه بيير بورديو بـالعنف الرمزي، حيث تفرض على المرأة معايير للجمال والتجمّل لا كاختيارات حرة، بل كأدوات خفية للهيمنة الرمزية، تستبطن من خلال التنشئة الاجتماعية، وتعاد إنتاجها عبر الوسائط، والإعلانات، والفضاءات المدرسية والدينية. فالمرأة التي تتزين أكثر من اللازم يمكن أن توصف بالسطحية أو الانحراف، والتي تهمل مظهرها يمكن أن تتهم بالإهمال أو بالخروج عن أنوثتها، مما يضعها في مأزق مزدوج: أي اختيار تقدمه، يتم تأويله ضمن بنية خطابية تحاكمها وتعيد إنتاج خضوعها.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
تجمّل المرأة المغربية:
من الخصوصية إلى المشاعية – سوسيولوجيا الجسد والضوابط والتحرر
الجزء الرابع
في المجتمعات التقليدية، ظل جسد المرأة مجالا رمزيا مشحونا بالمعاني، ومحكوما بمنظومات عرفية ودينية تفرض عليه حدودًا واضحة بين “الخصوصي” و”العلني”، بين “المسموح” و”المحظور”. وكان التجمل النسائي، ضمن هذا السياق، طقسًا خاصا مرتبطا بمناسبات اجتماعية محصورة، يخضع لرقابة الجماعة، ويتخذ شكلا من أشكال الامتثال الرمزي للهوية الجماعية. غير أن المجتمع المغربي، في العقود الأخيرة، يشهد تحولات عميقة مست البنى القيمية والتمثلات الثقافية للجسد والأنوثة، وهو ما جعل التجمل النسائي ينتقل تدريجيًا من دائرة الخصوصية إلى المجال العمومي، بل إلى “المشاعية الجمالية” التي تتيح للمرأة عرض ذاتها في الفضاء العام بوصفها فاعلة جمالية، لا فقط موضوعا للعين الذكورية أو التقاليد العائلية.
يعد جسد المرأة في المجتمعات التقليدية بنية رمزية كثيفة المعاني، ليس فقط في تمثلاته البيولوجية، بل فيما يختزنه من دلالات اجتماعية وأخلاقية ودينية. وقد تم ضبط هذا الجسد بواسطة منظومات الحياء والعيب والحشمة والحرام، مما جعله مجالا للضبط الجماعي، تراقبه الأسرة، والجماعة، والمؤسسة الدينية، فتتموقع ممارسة التجمل ضمن سياقات مشروطة ومحدودة، مثل الأعراس أو المواسم أو الطقوس الاحتفالية، حيث يسمح للمرأة أن تتجمل ضمن حدود الاحتفالية المراقبة.
لكن هذه المعادلة، كما تشير التحولات الجارية في المجتمع المغربي، عرفت تغيرا بنيويا ناتجا عن عوامل متعددة، يمكن تحليلها ضمن مداخل ثلاث:
أولًا: التحول في البنيات الاجتماعية والقيمية
ساهمت التحولات الاقتصادية والعمرانية (التمدين، التمدرس، صعود الطبقة الوسطى، الانفتاح على الإعلام)، في إعادة تشكيل علاقة المرأة بجسدها. فلم يعد الجسد مجرد حامل رمزي للشرف أو الأخلاق، بل أضحى تعبيرا عن الفردانية والهوية الذاتية. وبهذا، أصبح التجمل ليس خضوعا لقيم الجماعة، بل أداء رمزيا للذات الأنثوية، يمارس في الشارع، والمقهى، والجامعة، والفضاء الرقمي.
ثانيًا: تراجع السلطة الرمزية للمؤسسات التقليدية
عرفت الأسرة التقليدية، والزاوية، والمجتمع المحلي، تراجعا في سلطتها التقريرية بشأن الجسد. فمع صعود خطاب الحقوق الفردية، وانفتاح المجال العام، أصبح من حق المرأة أن تتصرف في مظهرها كحق من حقوق الجسد، بعيدًا عن شرعية الأوامر الأبوية أو وصاية المجتمع. وأصبح التجمل يحمل دلالة تحررية وتحكم ذاتي في الجسد لا مجرد التزام أخلاقي.
ثالثًا: صعود المشاعية الجمالية
إن المفهوم الذي تطرحه الفقرة، أي “المشاعية الجمالية”، يشير إلى أن الجمال لم يعد مقتصرا على المناسبات، بل أصبح سلوكا يوميا تعيد المرأة من خلاله تموقعها الاجتماعي. فصارت الزينة أداة تفاوض على المكانة، والرغبة، والاعتراف، وحتى على الحق في الوجود داخل الحيز العام. وهو ما يشبه ما سماه بيير بورديو بـالرأسمال الجمالي الذي يستثمر في التفاعل الاجتماعي.
رغم هذه التحولات، فإن المجتمع المغربي لا يزال يعيش مفارقة عميقة: ففي الوقت الذي تتوسع فيه حرية المرأة في عرض ذاتها، فإن تمثلات الجسد لا تزال مثقلة بإرث قيمي تقليدي، يعيد إنتاج النظرة الأداتية للجمال كـإغراء أو انحراف. وهو ما يجعل المرأة عرضة لـخطابين متناقضين: خطاب الحداثة الذي يحتفي بجمالها كأداء ذاتي، وخطاب التقليد الذي يجرمه كتهديد أخلاقي.
إن تحول التجمل النسائي من الطقس الاجتماعي الخاص إلى المشاعية الجمالية اليومية، ليس مجرد تغيير سطحي في الموضة أو السلوك، بل هو تحول سوسيولوجي في عمق تمثلات الجسد والأنوثة في المجتمع المغربي. ويعكس هذا التحول صراعا بين منطقين: منطق الامتثال للهوية الجمعية، ومنطق بناء الذات الأنثوية بوصفها كيانا حرا يتصرف في رمزية جسده كما يشاء. وبين هذين المنطقين، تعيد المرأة المغربية التفاوض على مكانتها، وسط تقاطعات حادة بين التقاليد والحداثة، بين الحياء والتحكم الذاتي، وبين الذوق العام والحق في التعبير الجسدي.
هذا التحول لا يعني بالضرورة انعتاقا تاما من البنى الضابطة، بل هو انتقال تفاوضي معقد، يتم فيه إعادة تشكيل الحدود بين المسموح والممنوع، بين الحرية الفردية والمعايير الجمعية. فالمجتمع المغربي يعيش اليوم حالة من ازدواجية المعايير. فمن جهة، هناك خطاب حداثي يشجع تمكين المرأة واستقلاليتها الجسدية، ومن جهة أخرى، تمارس رقابة اجتماعية مضاعفة، تحاكم المرأة انطلاقًا من مظهرها، وتحاصرها بتمثلات أخلاقية محافظة تحيل على “السترة”، “الحياء”، “الوقار”، وغيرها من القيم المرتبطة بالشرف العائلي والديني.
هذا التحول لا يفهم بوصفه قطيعة راديكالية مع البنى التقليدية، بل كـعملية تفاوضية مركبة تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والجماعة، بين الحرية والرقابة، وبين الفردانية والامتثال.
التحول التفاوضي لا الانعتاقي:
الانتقال من الخصوصية إلى العلنية الجمالية لا يعني بالضرورة التحرر من كل الضوابط، بل يعني انخراط المرأة في مساومة رمزية مستمرة مع الحدود الثقافية والاجتماعية. فالتجمل في المجال العام لا يمارس في فراغ، بل داخل منظومة الرقابة الرمزية، التي باتت أكثر تعقيدا، وأحيانا أكثر شدة، بفعل تعدد واجهات المحاكمة (الأسرة، الشارع، وسائل التواصل، المدرسة، الجيران…).هذا ما تسميه نانسي فرايزر بالمجال العمومي المتنازع عليه، حيث تنتج الذوات صورا عن أنفسها ضمن شروط لا تملكها بالكامل.
ازدواجية المعايير كآلية ضبط اجتماعي:
تتجلى ازدواجية المعايير في التشجيع الرسمي لتمكين المرأة في الخطاب الإعلامي والمؤسساتي والتعليمي.مقابل خطاب شعبي محافظ يمارس على الأرض، يحاكم المرأة وفقا للـسترة والوقار واللباس المحتشم، وتترجم هذه الازدواجية في سلوكيات مثل:التحرش بالمرأة المتجملة بوصفها متهمة ضمنيا بإثارة الفتنة، أو مطالبتها بـالتحلي بالمسؤولية عن ردود فعل الآخرين على مظهرها، وفي الوقت ذاته، يثمن حسن المظهر للمرأة داخل سوق العمل أو الإعلام.إنها مفارقة معيارية تجعل المرأة محاصرة بين متطلبات الظهور العصري ومخاطر التجريم الأخلاقي.
التجمل كأداة مقاومة وأداة ضبط في آنٍ واحد:
التجمل النسائي أصبح سلاحًا ذو حدين، فهو من جهة، هو أداة تمكين وتأكيد للذات، ورفض للخضوع الكامل للتصور الأبوي للجسد.ومن جهة أخرى، هو أداة رقابة اجتماعية مستبطنة، تمارس على النساء أنفسهن، إذ تنخرط بعضهن في محاكمة الأخريات باسم الستر والحياء والعفة، مما يشير إلى تواطؤ رمزي في إعادة إنتاج الضوابط القديمة داخل قوالب جديدة.
يمكن توظيف تحليل إرفينغ غوفمان لإدارة الانطباعات لفهم كيف تختار المرأة كيف تظهر، وضمن أية حدود، ومفهوم الهابيتوس لبيير بورديو في تفسيره كيف تجسد التمثلات الثقافية في اختيارات اللباس والزينة.ونظرية الأداء الجندري لجوديث بتلر كيف توضح أن التجمل فعل يومي يعيد إنتاج أو يزعزع الأنظمة الجندرية.
إن تحول التجمل النسائي في المغرب ليس مسارا تحرريا صافيا، بل هو حقل صراع رمزي، تتداخل فيه التطلعات الفردية مع الضوابط الاجتماعية، ويخضع لتفاوض يومي مع قيم متناقضة. فبين حداثة الخطاب ومحافظة التمثلات، تظل المرأة المغربية تخوض معركة مزدوجة: معركة من أجل الظهور، ومعركة من أجل التبرير.
يندرج هذا الصراع ضمن ما يسميه بيير بورديو بـالعنف الرمزي، حيث تفرض على المرأة معايير للجمال والتجمّل لا كاختيارات حرة، بل كأدوات خفية للهيمنة الرمزية، تستبطن من خلال التنشئة الاجتماعية، وتعاد إنتاجها عبر الوسائط، والإعلانات، والفضاءات المدرسية والدينية. فالمرأة التي تتزين أكثر من اللازم يمكن أن توصف بالسطحية أو الانحراف، والتي تهمل مظهرها يمكن أن تتهم بالإهمال أو بالخروج عن أنوثتها، مما يضعها في مأزق مزدوج: أي اختيار تقدمه، يتم تأويله ضمن بنية خطابية تحاكمها وتعيد إنتاج خضوعها.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر